كندا تجمع 460 مليار دولار من سندات أميركا وسط صدام ترامب
أوتاوا خامس أكبر حائز أجنبي لسندات الخزانة الأميركية وسط تصاعد الحرب التجارية
- محمود الشاذلي
- 22 أغسطس، 2026
- اقتصاد الرائد
- الحرب التجارية, صدام ترامب, كندا, لسندات الخزانة الأميركية
في خضم التصعيد التجاري بين الولايات المتحدة وكندا، تبرز سوق السندات الأميركية باعتبارها أحد الملفات التي تكشف عمق التشابك المالي بين البلدين.
وتملك كندا نحو 459.6 مليار دولار من سندات الخزانة الأميركية، وفق أحدث بيانات وزارة الخزانة الأميركية، لتصبح خامس أكبر حائز أجنبي لهذه السندات.
وتأتي هذه الحيازة الضخمة في وقت فرضت فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسومًا جمركية بنسبة 50% على واردات كندية بقيمة تقارب 20 مليار دولار، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول قدرة أوتاوا على استخدام ثقلها المالي في مواجهة الضغوط التجارية الأميركية.
كندا بين أكبر حائزي الدين الأميركي
ارتفعت حيازة كندا من سندات الخزانة الأميركية إلى 459.6 مليار دولار في يونيو، مقارنة مع 435.8 مليار دولار في مايو، بزيادة تقارب 23.8 مليار دولار خلال شهر واحد.
وتحتل كندا المركز الخامس بين أكبر حائزي سندات الخزانة الأميركية، بعد اليابان التي تمتلك نحو 1.117 تريليون دولار، وبريطانيا بنحو 939.9 مليار دولار، والصين بنحو 633.4 مليار دولار، وبلجيكا بنحو 482.5 مليار دولار.
وبلغ إجمالي حيازات الأجانب من سندات الخزانة الأميركية نحو 9.299 تريليون دولار في يونيو.
وتعكس هذه الأرقام حجم اعتماد المستثمرين العالميين على الدين الأميركي، كما توضح مدى ارتباط النظام المالي الكندي بالسوق الأميركية.
هل تستطيع أوتاوا استخدام السندات كورقة ضغط؟
يمكن نظريًا أن يؤدي بيع كميات كبيرة من سندات الخزانة الأميركية إلى زيادة المعروض في السوق، وهو ما قد يضغط على أسعار السندات ويدفع عوائدها إلى الارتفاع.
وارتفاع العوائد يعني بدوره زيادة تكلفة الاقتراض بالنسبة إلى الحكومة الأميركية، كما يمكن أن يؤثر في تكلفة التمويل على نطاق أوسع داخل الاقتصاد الأميركي.
لكن هذه الآلية لا تعني أن كندا تملك وسيلة سهلة للضغط على واشنطن.
فبيع كمية كبيرة من السندات سيؤدي إلى انخفاض قيمتها، ما قد يسبب خسائر لكندا نفسها. كما أن السوق الأميركية تتمتع بعمق وسيولة كبيرين، وتضم مستثمرين حكوميين ومؤسسات مالية وصناديق استثمار من مختلف أنحاء العالم.
ولهذا، فإن تأثير أي تحرك كندي سيعتمد على حجمه وسرعته، وكذلك على رد فعل بقية المستثمرين.
زيادة الحيازة رغم تصاعد الخلاف
اللافت أن بيانات وزارة الخزانة الأميركية تظهر ارتفاع حيازة كندا من السندات خلال يونيو، رغم تصاعد الخلاف التجاري مع واشنطن.
فقد ارتفعت الحيازة من 397.1 مليار دولار في أبريل إلى 435.8 مليار دولار في مايو، ثم إلى 459.6 مليار دولار في يونيو.
ولا تكفي هذه التحركات وحدها لإثبات وجود علاقة بين سياسة كندا التجارية وإدارة حيازاتها من السندات الأميركية.
لكنها تظهر أن المؤسسات والمستثمرين الكنديين ما زالوا يحتفظون بتعرض كبير لسوق الدين الأميركية، حتى في ظل تدهور العلاقات التجارية بين حكومتي البلدين.
ارتفاع الدين يزيد حساسية واشنطن
وتكتسب حيازة كندا أهمية أكبر في ظل ارتفاع الدين الحكومي الأميركي وتزايد تكلفة الاقتراض.
وتجاوز الدين الأميركي 40 تريليون دولار، في وقت تواجه فيه سوق سندات الخزانة ضغوطًا، خصوصًا في الآجال الطويلة.
كما ارتفعت عوائد السندات طويلة الأجل إلى مستويات مرتفعة، ما زاد المخاوف بشأن تكلفة خدمة الدين وقدرة الحكومة الأميركية على إدارة احتياجاتها التمويلية.
وفي هذا السياق، لجأت وزارة الخزانة الأميركية إلى زيادة عمليات إعادة شراء بعض سندات الخزانة طويلة الأجل، في محاولة لتحسين السيولة ودعم كفاءة السوق.
ولا تستهدف عمليات إعادة الشراء خفض إجمالي الدين، وإنما إدارة هيكل الدين وتحسين ظروف التداول في سوق السندات.
كارني يهدد بالرد «دولارًا مقابل دولار»
وتزامن ذلك مع تصاعد الخلاف التجاري بين واشنطن وأوتاوا.
وأعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني تعليق المفاوضات التجارية مع الولايات المتحدة، بعد فشل المحادثات في التوصل إلى اتفاق يمنع تطبيق الرسوم الأميركية الجديدة.
وقال كارني إن بلاده سترد على الرسوم الأميركية «دولارًا مقابل دولار»، في إشارة إلى استعداد حكومته لاتخاذ إجراءات تجارية مضادة.
لكن استخدام حيازات سندات الخزانة كسلاح تفاوضي سيكون أكثر تعقيدًا من فرض رسوم جمركية مقابلة.
فأي عملية بيع كبيرة قد تؤثر في السوق الأميركية، لكنها في الوقت نفسه قد تضر بقيمة الأصول الكندية وتزيد التقلبات المالية.
لماذا يصعب تحويل السندات إلى «سلاح»؟
هناك عامل آخر يحد من قدرة كندا على استخدام حيازتها من السندات للضغط على واشنطن، وهو حجم السوق الأميركية.
فحيازة كندا البالغة نحو 460 مليار دولار كبيرة، لكنها تمثل جزءًا من إجمالي الدين الأميركي الذي يحتفظ به المستثمرون الأجانب والمحليون.
كما أن اليابان وبريطانيا والصين وبلجيكا وغيرها من الدول والمؤسسات تمتلك حيازات ضخمة من سندات الخزانة.
لذلك، لن يكون من السهل أن يؤدي قرار كندي منفرد إلى إحداث أزمة مستدامة في سوق الدين الأميركية.
وفي المقابل، قد يؤدي البيع المكثف إلى انخفاض أسعار السندات وارتفاع العوائد، وهو ما قد يضر بكندا نفسها من خلال التأثير في قيمة أصولها والأسواق التي تعتمد عليها.
ورقة نفوذ أكثر منها أداة انتقام
لا شك أن امتلاك كندا نحو 460 مليار دولار من سندات الخزانة الأميركية يمنحها وزنًا مهمًا في العلاقة المالية مع واشنطن.
لكن القيمة الحقيقية لهذه الحيازة تكمن في الترابط بين الاقتصادين أكثر من كونها سلاحًا ماليًا مباشرًا.
فكندا تعتمد بدرجة كبيرة على السوق الأميركية، بينما ترتبط المؤسسات والمستثمرون الكنديون بالسوق المالية الأميركية عبر استثمارات ضخمة.
وفي المقابل، لا تستطيع الولايات المتحدة تجاهل حجم العلاقات التجارية والمالية مع جارتها الشمالية.
ولهذا، فإن أفضل استخدام لهذه الحيازة بالنسبة إلى أوتاوا قد لا يكون بيعها بكميات ضخمة، بل إدراك واشنطن أن أي تصعيد طويل الأمد يمكن أن تكون له تداعيات تتجاوز الرسوم الجمركية وتمتد إلى الأسواق المالية.
وفي ظل استمرار الحرب التجارية، تبقى سندات الخزانة الأميركية واحدة من أوراق النفوذ المحتملة في يد كندا، لكنها ورقة شديدة الحساسية ومكلفة للطرفين إذا تحولت من أداة استثمار إلى أداة مواجهة.