نيجيريا حكومة تينوبو تدافع عن إلغاء دعم الوقود وملايين الفقراء يدفعون الثمن
وسط تصاعد المخاوف من تداعيات اجتماعية مدمرة
- abdelrahman
- 20 أغسطس، 2026
- تقارير وترجمات
- اخبار جريدة الرائد, الغاء دعم الوقود, حكومة تينوبو, عجز الموازنة, نيجيريا
دافعت الحكومة النيجيرية أ عن واحد من أكثر قراراتها الاقتصادية إثارة للجدل، وهو إلغاء دعم الوقود، معتبرة أن الأموال التي وفرتها الخطوة ساعدت على منع أزمة مالية أعمق ووفرت موارد إضافية للاستثمار في البنية التحتية ورأس المال البشري والحماية الاجتماعية. وقال وزير الإعلام والتوجيه الوطني محمد إدريس إن الإصلاحات، رغم صعوبتها على الأسر والشركات، عززت الوضع المالي للدولة.
وجاءت هذه المببررات الرسمية في وقت تدخل فيه نيجيريا موسم الانتخابات الرئاسية المقبلة، بينما أصبح الاقتصاد وتكاليف المعيشة من أهم القضايا التي يواجهها الرئيس بولا أحمد تينوبو.
فيما قالت مصادر إعلامية إن إصلاحات تينوبو، التي تضمنت إلغاء دعم الوقود وخفض قيمة النايرا، حظيت بترحيب من المستثمرين والمقرضين الدوليين، لكنها أدت في المدى القصير إلى تفاقم أزمة تكاليف المعيشة بالنسبة إلى المواطنين.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية في التجربة النيجيرية: الحكومة تستطيع أن تعرض أرقامًا أفضل للمالية العامة، بينما يمكن للمواطن العادي أن يشعر بأن وضعه الاقتصادي أصبح أسوأ. فإلغاء الدعم يخفف عبئًا كبيرًا عن الموازنة، لكنه يرفع مباشرة تكلفة النقل، ثم ينتقل أثره إلى أسعار الغذاء والخدمات والسلع، خصوصًا في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النقل البري.
أين ذهبت أموال الدعم ؟
ولذلك فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: كم وفرت الحكومة من أموال الدعم؟ وإنما: كيف أعادت توزيع هذه الأموال، ومن استفاد منها، وهل عوضت الأسر الفقيرة عن الخسارة التي تحملتها؟
وتشير وثائق البنك الدولي إلى أن إصلاح دعم البنزين يمكن أن يكون مهمًا على المدى الطويل للمالية العامة في نيجيريا، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة حماية الفقراء والأسر غير الآمنة اقتصاديًا، وعلى أن توجيه جزء من الوفورات إلى التحويلات الاجتماعية يمكن أن يقلل الضرر على رفاه الأسر منخفضة الدخل.
وهذا التفصيل مهم؛ لأنه يوضح أن القضية ليست معارضة الإصلاح الاقتصادي من حيث المبدأ. فالدعم العام للوقود قد يكون مكلفًا وغير كفء، وقد يستفيد منه أصحاب الاستهلاك المرتفع أكثر من الفقراء، كما يمكن أن يؤدي إلى استنزاف موارد كان يمكن استخدامها في التعليم والصحة والبنية التحتية ،لكن البديل لا يصبح عادلًا تلقائيًا بمجرد إلغاء الدعم.
فإذا ارتفعت تكلفة الوقود بسرعة، بينما تتأخر التحويلات الاجتماعية أو لا تصل إلى جميع المحتاجين، فإن الفقراء يتحملون الصدمة فورًا بينما تأتي المنافع الحكومية في وقت لاحق. ويصبح الإصلاح عندئذ عملية لإعادة توزيع التكلفة أكثر منه مجرد إصلاح مالي.
ويشير الاقتصادي التنموي نيل ماكولوتش، الذي عمل سابقًا اقتصاديًا أول في البنك الدولي، إلى أن قضية دعم الوقود في نيجيريا لا يمكن فهمها من خلال الحسابات المالية وحدها، وإنما يجب النظر إليها أيضًا من زاوية العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن. وقد تناول ماكولوتش وتوم مورينهاوت هذه المسألة تحديدًا في دراسة لمعهد دراسات التنمية حول الإصلاح وآثاره الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
تداعيات اجتماعية
وهذه الزاوية شديدة الأهمية في الحالة النيجيرية. فالمواطن قد يقبل إصلاحًا مؤلمًا إذا كان يرى بوضوح أين تذهب الأموال التي وفرتها الدولة. أما إذا ارتفعت أسعار الوقود والنقل والغذاء، ثم بقيت الخدمات العامة ضعيفة، فقد ينظر إلى الإصلاح باعتباره تحميلًا للأسر تكلفة سوء إدارة سابقة، لا باعتباره مشروعًا لإعادة بناء الاقتصاد.
وتكشف وثائق البنك الدولي نفسها عن حجم المشكلة الاجتماعية. فقد أشارت إلى أن مستويات الفقر وانعدام الأمان الاقتصادي مرتفعة للغاية، وأن الإنفاق على شبكات الأمان الاجتماعي وتغطيتها كانا منخفضين مقارنة بحجم الحاجة. ولذلك أوصى البنك بربط إصلاح دعم الوقود ببرنامج للتحويلات النقدية وبآلية واضحة لإعادة توزيع جزء من الوفورات على الأسر الأقل دخلًا.
وهنا ينبغي أيضًا توجيه النقد إلى الحكومة النيجيرية نفسها، وليس إلى المؤسسات المالية الدولية وحدها. فحتى إذا كان إلغاء الدعم ضروريًا ماليًا، فإن الحكومة هي التي تتحمل مسؤولية تحديد من يدفع ثمن الإصلاح، وكيف تُستخدم الوفورات، ومدى شفافية الإنفاق عليها.
وإذا كانت الحكومة تقول إن أموال الدعم تحولت إلى استثمارات في البنية التحتية والتعليم والحماية الاجتماعية، فإن عليها أن تقدم للمواطنين بيانات قابلة للتحقق توضح حجم الوفورات، والجهات التي حصلت عليها، والمشروعات التي مولتها، وعدد الأسر التي استفادت من برامج التعويض.
الخدمات الحكومية
كما أن الاعتماد على التحويلات النقدية وحدها لا يكفي بالضرورة. فالأسرة الفقيرة تحتاج إلى نقل عام بأسعار محتملة، وخدمات صحية وتعليمية جيدة، وكهرباء مستقرة، وفرص عمل، وأسواق غذاء قادرة على توفير السلع بأسعار معقولة. والحماية الاجتماعية الحقيقية لا ينبغي أن تكون مجرد مبلغ نقدي يعوض جزءًا من الارتفاع في الأسعار.
ومن هنا تأتي أهمية الرأي الاقتصادي الذي طرحه الدكتور يمي كالي، الرئيس السابق لمكتب الإحصاءات الوطني النيجيري وكبير الاقتصاديين السابق في بنك التنمية الأفريقي، والذي دعا إلى توجيه وفورات دعم الوقود إلى البنية التحتية مع التشديد على المساءلة باعتبارها شرطًا لخفض الفقر.
وبذلك يصبح الخلاف في نيجيريا أكثر تعقيدًا من ثنائية “مع الدعم أو ضده”. فهناك حجة اقتصادية قوية تقول إن استمرار الدعم بالشكل القديم كان غير مستدام، وهناك في المقابل حجة اجتماعية قوية تقول إن رفع الدعم من دون حماية فعالة قد ينقل عبء الإصلاح إلى الفقراء.
تراجع عجز الموازنة
والحل الأكثر توازنًا هو ألا يُقاس نجاح الإصلاح بحجم الأموال التي خرجت من بند الدعم فقط، بل بما حدث بعد ذلك. هل انخفض عجز الموازنة؟ نعم. هل تحسنت قدرة الدولة المالية؟ نعم، بحسب الحكومة والمؤسسات المالية الدولية. لكن هل تحسنت القوة الشرائية للأسر؟ وهل انخفض الفقر؟ وهل تحسنت الخدمات؟ وهل أصبحت الوظائف أكثر وفرة؟ هذه هي المؤشرات التي ستحدد في النهاية ما إذا كان الإصلاح قد نجح اجتماعيًا واقتصاديًا.
وفي هذا السياق، فإن تصريح الحكومة بأن إلغاء الدعم “أنقذ” نيجيريا من أزمة أعمق يحتاج إلى أن يقابله سؤال آخر: أنقذ الدولة من ماذا، وبأي تكلفة، ومن تحمل هذه التكلفة؟
فالإصلاح الاقتصادي يمكن أن يكون ضروريًا، لكن الضرورة الاقتصادية لا تلغي المسؤولية الاجتماعية. وإذا كانت الدولة تريد إقناع مواطنيها بأن التضحية الحالية ستنتج مستقبلًا أفضل، فعليها أن تثبت ذلك بالأرقام والشفافية والخدمات، لا بمجرد الإعلان عن تحسن المالية العامة.