“ليبيا” تكثف إمدادات الوقود لاحتواء ضغوط السوق المحلية
تحركات لوجستية لاحتواء ضغوط التوزيع
- معاذ الجمال
- 15 أغسطس، 2026
- اقتصاد الرائد, تقارير وترجمات
- أسعار البنزين, ازمة الوقود, اقتصاد, الديزل, ليبيا
كثفت السلطات الليبية و”شركة البريقة” لتسويق النفط عمليات إمداد السوق المحلية بالوقود، في مسعى للحفاظ على انتظام التوزيع وتلبية احتياجات محطات الخدمة، بالتزامن مع وصول شحنات جديدة إلى المنطقة الشرقية وزيادة كميات البنزين الموجهة إلى “طرابلس”، في وقت تكشف فيه البيانات الرسمية عن حجم كبير من الاستهلاك المحلي وحساسية السوق تجاه أي اضطراب في الإمدادات.
إمدادات مكثفة لاحتواء الأزمة..
أعلنت “شركة البريقة” لتسويق النفط استمرار عمليات توزيع البنزين في “طرابلس”، موضحة أن الكميات الموزعة منذ الخميس وحتى بعد ظهر الجمعة بلغت نحو (14.9 مليون لتر)، وهو ما ساهم في انحسار الزحام أمام عدد من محطات الوقود في العاصمة ومناطق من المنطقة الغربية، وتختلف هذه البيانات عن رقم (6.82 مليون لتر) الوارد في التقرير السابق، والذي لم يتسنَّ التحقق منه ضمن أحدث البيانات المنشورة.
وفي المنطقة الشرقية، دخلت الناقلة “ECOMAR GIRONDE-إيكومار جيروند” الرصيف النفطي في “بنغازي” محملة بنحو (17 ألف طن متري من البنزين)، تمهيدًا لتفريغ الشحنة وتعزيز المخزون ودعم استمرار تزويد السوق باحتياجاته وفق برنامج الإمدادات المعتمد.
كما وصلت الناقلة “SEA STATUS” إلى “ميناء الحريقة” في “طبرق” محملة بنحو (33 مليون لتر من الديزل)، على أن يخصص جزء من الشحنة لتزويد “محطة كهرباء طبرق”، فيما توجه الكمية المتبقية إلى مستودع طبرق النفطي لدعم المخزونات وعمليات الإمداد في المنطقة.
ثروة نفطية واستهلاك مرتفع..
تعكس هذه التحركات أهمية انتظام سلسلة إمدادات الوقود في “ليبيا”، إذ تشير بيانات رسمية سابقة إلى أن استهلاك البنزين في البلاد يتراوح عادة بين (6 و8 ملايين لتر يوميًا)، مع تسجيل مستويات أعلى خلال فترات الذروة، وصلت في بعض الأحيان إلى نحو (11 مليون لتر يوميًا)، كما ارتفعت الكميات الموزعة للمحطات وكبار المستهلكين في “طرابلس” خلال فترات سابقة إلى نحو (8.4 مليون لتر) ثم قرابة (9 ملايين لتر يوميًا)، وهي مستويات دفعت الجهات الرقابية إلى بحث معدلات الاستهلاك المرتفعة والحاجة إلى ترشيدها.
وتكشف الأرقام عن مفارقة مستمرة في الاقتصاد الليبي، فالبلاد تمتلك احتياطيات نفطية ضخمة، لكنها تعتمد على استيراد كميات كبيرة من (البنزين والديزل) لتغطية احتياجات السوق المحلية، في الوقت الذي تصدر فيه النفط الخام إلى الأسواق العالمية، وقد وصفت “وكالة الأنباء الليبية” هذه المفارقة بأنها أحد أبرز التحديات التي تواجه قطاع المحروقات.
ولا تعني زيادة عمليات التوزيع الحالية وجود نقص شامل في الوقود، بل تشير إلى استجابة تشغيلية لضمان استمرار الإمدادات ومواجهة الطلب المرتفع والازدحام الذي ظهر في بعض المناطق، وكانت “شركة البريقة” قد أكدت في مناسبات سابقة أن انتظام الإمدادات يرتبط باستمرار الواردات وتنفيذ شركات التوزيع مخصصاتها وفق البرامج المعتمدة.
اختبار لمنظومة التوزيع..
تتجاوز أهمية انتظام الوقود مسألة تزويد السيارات، إذ يرتبط توافر البنزين والديزل بصورة مباشرة بحركة النقل والشحن والخدمات والنشاط التجاري، فيما يمكن أن يؤدي أي اضطراب ممتد في الإمدادات إلى زيادة تكاليف النقل وانعكاساتها على السلع والخدمات.
وتبرز في هذا السياق تحديات أوسع تتعلق بإدارة قطاع المحروقات والرقابة على عمليات التوزيع، خاصة مع استمرار الحديث الرسمي عن التهريب والاستهلاك غير المبرر، وأكدت “وزارة الداخلية” في يوليو، أن ملف الوقود من أكثر الملفات تعقيدًا، مشيرة إلى أن عمليات التهريب والاستغلال استمرت لسنوات، وأن الوزارة تشرف على توزيع الوقود في مدن المنطقة الغربية ضمن خطة رقابية تستهدف الحد من هذه الممارسات.
وبالتالي، فإن وصول شحنة البنزين إلى “بنغازي” وأخرى من الديزل إلى “طبرق”، إلى جانب ضخ كميات كبيرة من البنزين في “طرابلس”، لا يمثل مجرد تحرك لوجستي، بل يعكس محاولة للحفاظ على استقرار سوق الوقود عبر أكثر من مركز إمداد، ويبقى المؤشر الأهم خلال الأيام المقبلة هو استمرار تدفق الشحنات وانتظام عمليات التفريغ والتخزين والتوزيع، وقدرة شركات التوزيع على إيصال المخصصات إلى المحطات في مختلف المناطق.
وتكشف التجربة الليبية أن امتلاك النفط وحده لا يضمن استقرار سوق الوقود، فاستدامة الإمدادات تتطلب منظومة متكاملة تشمل الاستيراد والتخزين والنقل والتوزيع والرقابة، إلى جانب إدارة أكثر كفاءة لمعدلات الاستهلاك ومكافحة التهريب، ومن هنا، فإن الأرقام المعلنة خلال الأيام الأخيرة تبدو في ظاهرها بيانات تشغيلية، لكنها في الواقع مؤشر مهم على قدرة منظومة الطاقة الليبية على الاستجابة للطلب والحفاظ على تدفق الوقود إلى المواطنين والقطاعات الحيوية.