ترامب يصعّد الحرب التجارية ضد المسيّرات الصينية

رسوم تصل إلى 100% تستهدف الواردات الحساسة وتضغط على النفوذ الصيني

صعّدت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضغوطها على قطاع الطائرات المسيّرة، بفرض رسوم جمركية تصل إلى 100% على بعض الواردات من المسيّرات ومكوناتها، في خطوة تعكس اتساع نطاق المواجهة التجارية والتكنولوجية مع الصين، وتربط بشكل مباشر بين السياسة التجارية الأمريكية ومتطلبات الأمن القومي.

ووقّع ترامب إعلانًا رئاسيًا يقضي بفرض الرسوم الجديدة، على أن تبدأ الرسوم الأساسية في التطبيق بعد 21 يومًا. وتشمل الرسوم البالغة 100% الطائرات المسيّرة التي يزيد وزن إقلاعها على 25 كيلوجرامًا، إلى جانب بعض الطائرات المزودة بقدرات تقنية تعتبر حساسة، مثل أنظمة التصوير الحراري ومحطات الإرساء، فضلًا عن مكونات مرتبطة بهذه الأنظمة.

في المقابل، ستخضع المسيّرات الأصغر حجمًا، والتي لا تندرج ضمن الفئات الحساسة، لرسوم تبلغ 25%. ويشير هذا التصنيف إلى أن واشنطن لا تتعامل مع سوق المسيّرات باعتباره سوقًا تجاريًا تقليديًا، وإنما تضع في الاعتبار القدرات التقنية والاستخدامات المحتملة لكل فئة من المنتجات.

ويأتي القرار في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة إلى تقليل اعتمادها على سلاسل الإمداد الأجنبية في القطاعات التكنولوجية التي تعتبرها استراتيجية. وتكتسب المسيّرات أهمية خاصة بسبب طبيعتها مزدوجة الاستخدام، إذ يمكن توظيفها في مجالات مدنية مثل الزراعة والتصوير والمسح الصناعي، وفي الوقت نفسه يمكن استخدامها في المراقبة والاستطلاع وتطبيقات ذات صلة بالأمن والدفاع.

وقال كلايتون سويب، الباحث البارز في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إن الرسوم تستهدف بصورة رئيسية المسيّرات الصناعية والتجارية، مشيرًا إلى أن هذه الأنظمة يمكن أن تؤدي وظائف تجارية، لكنها في الوقت ذاته تمتلك قدرات يمكن توظيفها لأغراض عسكرية أو شبه عسكرية.

وتبرز الصين باعتبارها المستفيد الأكبر المحتمل من إعادة تشكيل هذا السوق، في ظل هيمنة شركاتها على قطاع المسيّرات عالميًا. وتستحوذ شركة «دي جي آي» الصينية، وفق تقديرات حديثة، على أكثر من ثلثي السوق العالمية، الأمر الذي يجعل تقليص الاعتماد على المنتجات الصينية تحديًا كبيرًا أمام الشركات الأمريكية.

ولم تفرض واشنطن المستوى نفسه من الرسوم على جميع شركائها التجاريين؛ إذ تبلغ الرسوم 15% على الواردات القادمة من الاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا الجنوبية وسويسرا وليختنشتاين وتايوان، بينما تصل إلى 10% على المنتجات القادمة من المملكة المتحدة.

ويعكس هذا التفاوت محاولة أمريكية لإعادة توجيه سلاسل التوريد بدلًا من إغلاق السوق أمام المنتجات الأجنبية بشكل كامل، عبر منح أفضلية نسبية للموردين من الدول الحليفة وتشجيع الشركات على نقل جزء أكبر من عمليات الإنتاج إلى الولايات المتحدة.

غير أن هذه السياسة قد تحمل تداعيات على السوق الأمريكية نفسها. فارتفاع الرسوم قد يؤدي إلى زيادة أسعار المسيّرات والمكونات، ما يرفع تكاليف التشغيل على الشركات والمزارعين ومؤسسات الطوارئ والمستخدمين التجاريين، خصوصًا خلال الفترة التي تحتاج فيها الصناعة الأمريكية إلى بناء طاقات إنتاجية قادرة على منافسة الموردين الآسيويين.

في المقابل، تراهن الإدارة الأمريكية على أن الحماية الجمركية ستمنح المنتجين المحليين مساحة أكبر للاستثمار والتوسع، وتدفع إلى تطوير قاعدة تصنيع أمريكية تشمل المسيّرات ومكوناتها الأساسية.

ويمثل القرار حلقة جديدة في استراتيجية واشنطن لتقليص الاعتماد على التكنولوجيا الصينية، بعد سلسلة من القيود التجارية والتنظيمية التي استهدفت تقنيات صينية مرتبطة بالمسيّرات وغيرها من القطاعات الحساسة.

ومع استمرار التنافس بين أكبر اقتصادين في العالم على التكنولوجيا وسلاسل الإمداد، قد لا تتوقف تداعيات القرار عند الرسوم الحالية. فإذا امتدت القيود مستقبلًا إلى البطاريات والمحركات وأجهزة الاستشعار والبرمجيات، فإنها قد تؤدي إلى إعادة رسم خريطة صناعة المسيّرات عالميًا.

وبذلك، تتحول الرسوم الجديدة من مجرد أداة تجارية إلى جزء من معركة أوسع حول السيطرة على التكنولوجيا وسلاسل الإمداد، في قطاع بات يحتل موقعًا متزايد الأهمية في الاقتصاد والأمن والدفاع.

اترك تعليقا