مسؤولية الدولة المسلمة عن العاملين فيها ( 1 من 3)

د. ياسر عبد التواب يكتب

مسؤوليات كثيرة ومتنوعة تلك التي تضطلع بها الدولة المسلمة تجاه من ولاهم الله تعالى أمرهم .. تماما كما تقع مسؤوليات أخرى على العاملين أنفسهم فالفكر الإسلامي يقوم أساسا على التوازن بين الحقوق والواجبات

والعلاقة بين الدولة والعاملين فيها تقوم في الإسلام على التفاهم والتفهم

فالمسئول لا يجعل نفسه أعلى مرتبة من الناس ولا يربأ بنفسه عن مشاكلهم   ..بل هو واحد منهم يسعى لخيرهم ويعمل من أجلهم ومن أجل حفظ دينهم ودنياهم  وهذا دأب الصالحين من هذه الأمة ودعنا نتأمل في بعض أحوالهم

عن الحسن أن أبا بكر الصديق خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن أكيس الكيس التقوى وأحمق الحمق الفجور ألا إن الصدق عندى الأمانة والكذب الخيانة، ألا إن القوي ضعيف حتى آخذ منه الحق، والضعيف عندي قوي حتى آخذ له الحق، ألا وإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، لوددت أن قد كفاني هذا الأمر أحدكم والله إن أنتم أردتموني على ما كان الله يقيم نبيه بالوحي ما ذلك عندي إنما أنا بشر فراعوني، فلما أصبح غدا إلى السوق فقال له عمر: أين تريد؟ قال: السوق؟ قال: قد جاءك ما يشغلك عن السوق، قال: سبحان الله يشغلني عن عيالي، قال: نفرض بالمعروف، قال: ويح عمر، إني أخاف أن لا يسعني أن آكل من هذا المال شيئا فأنفق في سنتين وبعض أخرى ثمانية آلاف درهم، فلما حضره الموت قال: قد كنت قلت لعمر: إني أخاف أن لا يسعني أن آكل من هذا المال شيئا فغلبني، فإذا أنا مت خذوا من مالي ثمانية آلاف درهم وردوها في بيت المال، فلما أتي بها عمر قال: رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده تعبا شديدا)

فانظر إلى هذا العامل ..وهو هنا الحاكم أيضا كيف يرى نفسه مكلفا بهذه المهمة وأنه ليس بخيرهم ووالله إنه لخيرهم ..وكيف أنه يجعل أولى مهامه حفظ الدين ورعاية أحكامه وأن مدار ذلك على تثبيت التقوى وإبعاد الفجور  وهي لعمر الله أكبر مسؤولية وأهم واجب وحق للعاملين فكيف غفل عنه المسؤولين في حياتنا المعاصرة حيث تراهم يهملون ما يقرب الناس من التقوى – إن لم يكونوا يسعون للعكس – ويتركون الفواحش والفاحشين ليرتعوا في الدنيا في فصل واضح لئيم عن دين الله تعالى وحلاله وحرامه  ويمضي حديث الصديق ليعرف الناس بطبيعة حكمه لكونه من البشر ويطلب منهم مراعاة ذلك ..فلا يطلب منه المعجزات وهنا رد على من يزعم أن حكام المسلمين يحكمون بالحق الإلهي  ويطلب منهم بذلك أن يكون الأمر بالأخوة والتسامح وذلك بقوله ( فراعوني ) ثم يكشف عن منهجه في التعامل بالحق وأداء الحقوق وأنه لا يتهاون مع القوي إن قصر ولا يهمل الضعيف إن احتاج ..وهذه من أكبر المسؤوليات التي ينبغي أن تطبقها الدولة المسلمة فلا يترك الأقوياء – ولا سيما أصحاب النفوذ والأموال- يعيثون في الأرض وهو يجاملهم أو يحابيهم أو يخشاهم فهي مسؤولية للحاكم  ومن ولاه الله الأمر من المسئولين في التوفيق بين طبقات المجتمع من غير محاولة إفناء تلك الطبقات ..كما حاولت الشيوعية أن تفعل ولا كذلك تترك الحبل على الغارب لرؤوس الأموال لتطغى ..

انظر كذلك إلى الورع الذي ضربه الصديق بتعففه عن بيت المال وعدم استحلاله لشيء من ماله قبل أن يقوم مجلس الشورى بتعيين مستحقاته ومع ذلك فإن المجلس قرض له ما يكفيه بالمعروف وإن كان الصديق كعادته يضرب المثل على التفاني والبذل وهو ما كشف عنه   رده لما أخذه من بيت المال وكان من حقه وهو ما  استفاد منه عمر فسار على نفس المنهج القويم وكانت منه تلك المواقف الطيبة التي اشتهرت عنه t .

وهذه في ذاته مثل  مهم في حقوق العاملين من جهة ومسؤولية العامل من جهة أخرى..

وتلك هي المشكلة المعاصرة التي يتنازع فيها البشر في عصرنا الحديث ..حتى إن الأمر يصل إلى حد الصراعات والاضرابات والاضطرابات ..ما بين نقابات عمال تطالب بالحقوق وقد تتعسف فيما تطلب ..وبين دول وحكومات تتجاهل تلك الحقوق أو بعضها ..وهو ما عالجه الإسلام وسنتحدث في المرة المقبلة عن تلك القضية

د/ ياسر عبد التواب

اترك تعليقا