جيب المواطن وحد الكفاف

مقال في المصري اليوم بقلم د/ مدحت نافع

لا يكاد المصريون يفيقون من أزمة اقتصادية حتى تباغتهم أخرى، أو على الأقل آثارها الممتدة، فمن موجات التضخم المتلاحقة إلى ارتفاع تكلفة المعيشة، وتقلبات أسعار الصرف، واضطرابات الأسواق العالمية، أصبحت إدارة ميزانية الأسرة تحدياً يومياً لا يقل صعوبة عن كسب الدخل نفسه، وفي خضم كل أزمة، تتكرر النصيحة ذاتها: شدوا الأحزمة، خففوا الإنفاق، غيّروا أنماط الاستهلاك، واشتروا من المنافذ الأرخص، ولا خلاف على أن حسن إدارة الدخل فضيلة، وأن الاقتصاد المنزلي الرشيد جزء لا يتجزأ من مواجهة التضخم وتقليل أثره.

لكن السؤال الذي نادراً ما يُطرح هو: إلى أي حد يستطيع المواطن أن يشد الحزام قبل أن يصبح الحزام نفسه قيداً على صحته وإنتاجيته ومستقبل أبنائه؟ وهل توجد نقطة يصبح بعدها التقشف فضيلةً منقوصة، لأن ما يُقتطع من الإنفاق لم يعد من الكماليات، بل من مقومات الحياة الكريمة ورأس المال البشرى الذى يقوم عليه مستقبل المجتمع؟ هذا السؤال ليس جديداً فى الفكر الاقتصادى، وإن اختلفت صياغاته عبر العصور، فقد شغل الاقتصاديين منذ ظهور النظرية الكلاسيكية، لكنه يكتسب اليوم أهمية مضاعفة في ظل اقتصاد عالمي تتزايد فيه الضغوط التضخمية، وتتقلص فيه قدرة الدخول الحقيقية على ملاحقة تكاليف المعيشة، وتصبح الحدود الفاصلة بين التدبير الرشيد والاستنزاف الاقتصادى للإنسان أكثر دقة وخطورة.

وقد عرف الفكر الاقتصادى منذ القرن التاسع عشر مفهوم «حد الكفاف»؛ إذ رأى «ريكاردو» أن الأجر يميل إلى الحد الأدنى اللازم لإعاشة العامل، بينما رأى «ماركس» أن الرأسمالية تعيد إنتاج هذا الحد بما يكفل استمرار قوة العمل لا أكثر، لكن كليهما كان يتحدث عن اقتصاد إنتاجى يُقاس فيه الكفاف بقدرة العامل على مواصلة العمل، لا بجودة حياته أو فرص تطوره، لكن العالم تغير ولم يعد «الكفاف» فى القرن الحادى والعشرين يعنى مجرد القدرة على البقاء، بل القدرة على التعلم والحصول على غذاء متوازن، ورعاية صحية، وسكن آمن، ووسيلة انتقال، واتصال رقمي، وحد أدنى من الاستقرار النفسي.

فالاقتصاد الحديث لا يحتاج إلى عامل حي فحسب، بل إلى إنسان قادر على الابتكار والتكيف واكتساب المهارات، ولهذا لم يعد قياس الكفاف بعدد السعرات الحرارية أو بأقل تكلفة ممكنة للمعيشة يعكس حقيقة الاحتياجات الاقتصادية للمجتمع، ولهذا أيضاً لم يعد مستغرباً أن ينتقل النقاش في الأدبيات الحديثة من «الفقر النقدي» إلى «فقر القدرات»، فالاقتصادي «أمارتيا سن» يرى أن الحرمان الحقيقي لا يتمثل في انخفاض الدخل وحده، بل في عجز الإنسان عن امتلاك القدرات التي تمكنه من أن يعيش حياة منتجة وكريمة، ويؤكد «أنغوس ديتون» أن الرفاه لا يُقاس بما يدخل الجيب فقط، وإنما بما يستطيع هذا الدخل أن يشتريه من صحة وتعليم وخدمات.

أما «إستر دوفلو» و«أبهيجيت بانيرجي» فقد أظهرت أبحاثهما أن الأسر محدودة الدخل لا تسقط في الفقر بسبب ضعف الإدارة المالية فقط، بل بسبب هشاشتها أمام أي صدمة صحية أو اقتصادية، وهو ما يجعل بناء هوامش أمان جزءاً أصيلاً من السياسة الاقتصادية، ومن هنا تصبح منافذ بيع السلع بأسعار منخفضة أداة مهمة لتخفيف الصدمة، لا سيما في فترات التضخم المرتفع أو اضطراب الأسواق، فهى توفر سعراً مرجعياً، وتحد من المغالاة، وتمنح الأسر متنفساً مؤقتاً، لكن هذه المنافذ لا تستطيع أن تكون بديلاً دائماً عن سوق تعمل بكفاءة، ولا عن اقتصاد يرفع الإنتاجية ويزيد الدخول الحقيقية، فإذا طال الاعتماد عليها باعتبارها الحل الرئيسى، تحولت من أداة لإدارة الأزمة إلى محاولة لإدارة الفقر نفسه، والفرق كبير بين إدارة الأزمة وإدارة الفقر.

لقد نجحت دول عديدة في استخدام أدوات استثنائية أثناء الأزمات، لكنها لم تجعلها سياسة دائمة، فألمانيا، خلال أزمة الطاقة، قدمت دعماً مؤقتاً وخفضت بعض الأعباء على الأسر، لكنها واصلت الاستثمار فى كفاءة الطاقة وزيادة الإنتاجية، وسنغافورة لم تبنِ أمنها الاجتماعي على دعم أسعار السلع، بل على رفع الدخول، والادخار الإجباري، والإسكان، والرعاية الصحية، أما البرازيل فربطت برامج الحماية الاجتماعية بالتعليم والرعاية الصحية، حتى لا يتحول الدعم إلى مجرد وسيلة للبقاء، بل إلى وسيلة للخروج من دائرة الفقر، ولا يعني ذلك أن المواطن معفي من مسؤوليته، فالتضخم يفرض على الأسرة إعادة ترتيب أولوياتها، وتقليل الاقتراض الاستهلاكي، وبناء احتياطي للطوارئ متى استطاعت، وتنويع المدخرات، والأهم الاستثمار في المهارة التي تزيد القدرة على الكسب، لكن هذه الإجراءات، مهما بلغت حكمتها، لها حدود واضحة.

فلا يمكن لأسرة أن تعوض تآكل دخلها الحقيقي إلى ما لا نهاية بمجرد المزيد من التقشف!، وهنا تكمن خطورة الخطاب الذي يحتفي بقدرة الإنسان على الاحتمال، ويستشهد بمن عاشوا على خشاش الأرض وحشراتها دليلاً على أن الإنسان يستطيع أن يتكيف مع أى ظرف! نعم، يستطيع الإنسان أن يبقى على قيد الحياة في ظروف بالغة القسوة، لكن الاقتصاد لا يقيس النجاح بقدرة الإنسان على النجاة، وإنما بقدرته على أن يكون منتجاً ومبدعاً وقادراً على تربية جيل أفضل منه، وسوء التغذية، والضغط النفسي المزمن، وضعف الرعاية الصحية، وتراجع جودة التعليم، ليست تضحيات مجانية، بل ديون مؤجلة يسددها الاقتصاد لاحقاً في صورة إنتاجية أقل، وإنفاق صحي أعلى، وفرص نمو مهدرة، وتزداد هذه المعضلة تعقيداً عندما يُعاد إنتاج مفهوم «حد الكفاف» داخل اقتصاد يغلب عليه الطابع الريعي، ففي الاقتصاد الإنتاجي، يمكن أن تقود زيادة الإنتاجية إلى ارتفاع مستدام في الأجور وتحسن في مستويات المعيشة.

أما الاقتصاد الريعي، فقد يكتفي بالحفاظ على المواطنين عند حد البقاء، بينما تتراجع فرص الصعود الاجتماعي وتتآكل الطبقة الوسطى، وعندها تتحول سياسات احتواء الفقر إلى بديل عن سياسات خلق الثروة، ويصبح الاكتفاء بالحد الأدنى غاية فى حد ذاته، لا مرحلة مؤقتة في طريق التنمية، إن الدولة (حكومة ومؤسسات) مطالبة بأن تحمي القوة الشرائية للمواطن عبر مكافحة التضخم، وتعزيز المنافسة، ورفع الإنتاجية، وتحسين الخدمات العامة، وتوجيه الحماية الاجتماعية بكفاءة، والمواطن مطالب، فى المقابل، بإدارة موارده بعقلانية وتنمية قدراته، لكن ما لا يجوز هو أن تتحول قدرة المواطن على الاحتمال إلى ركيزة تبنى عليها السياسات العامة.

 

مصدر : المصري اليوم

كلمات مفتاحية:

اترك تعليقا