بريطانيا تضخ 130 مليون جنيه استرليني لإنقاذ صناعة السيارات

بعد تراجع الانتاج والمبيعات

الرائد: أعلنت الحكومة البريطانية  ضخ نحو 130 مليون جنيه إسترليني في تطوير تقنيات الجيل الجديد من السيارات عديمة الانبعاثات، على أن يأتي نحو نصف المبلغ من المال العام والنصف الآخر من شركات القطاع.

وقالت الحكومة إن البرنامج يمكن أن يدعم أكثر من 1800 وظيفة ويعزز قدرة الشركات البريطانية على تطوير البطاريات ومحركات السيارات الكهربائية وتقنيات النقل منخفض الكربون.

هذا التطور من جانب الحكومة البريطانية يتجاوزكونه  إعلانا استثماريا؛ لأن بريطانيا تحاول في الحقيقة إنقاذ موقع صناعتها في واحدة من أكبر عمليات التحول الصناعي منذ عقود.

فالانتقال من محركات الاحتراق الداخلي إلى السيارات الكهربائية لا يغير المنتج فقط، وإنما يعيد توزيع القيمة داخل صناعة السيارات عالميًا، ويمنح الصين بصورة خاصة فرصة لتحدي الشركات الأوروبية التي كانت تسيطر تاريخيًا على السوق.

تراجع القدرة الانتاجية

كانت صناعة السيارات البريطانية من أهم ركائز التصنيع الوطني، لكنها فقدت خلال العقود الماضية جزءًا كبيرًا من قدرتها الإنتاجية المحلية، مع انتقال ملكية علامات بريطانية شهيرة إلى شركات أجنبية واعتماد القطاع بصورة متزايدة على سلاسل توريد عالمية.

ومع صعود السيارات الكهربائية، ظهرت مشكلة جديدة. فالمنافسة لم تعد أساسًا بين شركات تمتلك خبرة طويلة في محركات البنزين والديزل، وإنما بين شركات تستطيع إنتاج البطاريات والبرمجيات والمحركات الكهربائية بكفاءة وتكلفة منخفضة.

وهنا أصبحت الصين لاعبًا مركزيًا، خصوصًا في البطاريات وسلاسل المواد الخام والسيارات الكهربائية.

وتحاول بريطانيا منع تحولها إلى مجرد سوق للسيارات الكهربائية المستوردة، ولذلك فإن التمويل الحكومي الجديد يستهدف التكنولوجيا والإنتاج وليس شراء السيارات فقط.

تقاسم المخاطر مع الشركات 

وتعود أهمية القرار البريطاني  في أنه يشكل اعترافا  ضمنيًا بأن السوق وحدها قد لا تكون كافية لحماية الصناعة المحلية أثناء التحول التكنولوجي.

فالاستثمار الحكومي البالغ نحو 65 مليون جنيه، مع مساهمة مماثلة من الصناعة، يعني أن لندن تريد تقاسم المخاطر مع الشركات بدل تركها تتحمل وحدها تكلفة التحول.

لكن هناك سؤالًا أكثر صعوبة: هل 130 مليون جنيه مبلغ كافٍ فعلًا لمنافسة الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي في صناعة تتطلب استثمارات بعشرات المليارات؟

من الناحية المالية، المبلغ ليس ضخمًا مقارنة بحجم التحول المطلوب. لكن قيمته الحقيقية قد تكون في توجيهه إلى مشروعات بحث وتطوير يمكن أن تتحول لاحقًا إلى استثمارات إنتاجية أكبر.

لكن المشكلة لا تمثل في  التكنولوجيا وحدها. الصناعة تحتاج إلى كهرباء تنافسية السعر، ومصانع بطاريات، وسلاسل توريد مستقرة، وموانئ ونقل فعال، وعمالة متخصصة، وسوق محلية قادرة على شراء السيارات الجديدة.

إذا لم تتوافر هذه العناصر مجتمعة، فقد تنجح بريطانيا في تطوير تقنية داخل مختبر أو شركة ناشئة، لكنها تفشل في تحويلها إلى صناعة واسعة النطاق.

كما أن هناك خطرًا آخر يتعلق بالاعتماد الخارجي إذا طورت بريطانيا سيارات كهربائية لكنها استوردت البطاريات والمواد الأساسية والمكونات الإلكترونية من الخارج، فإن جزءًا كبيرًا من القيمة الاقتصادية سيظل خارج البلاد.

التحول الأخضر

وهذا هو الدرس الذي تحاول أوروبا تعلمه حاليًا: التحول الأخضر لا يعني فقط استبدال البنزين بالكهرباء، وإنما بناء استقلال صناعي حول التكنولوجيا الجديدة.

وتكشف الخطوة البريطانية أيضًا عن تغير مفهوم الأمن الاقتصادي.

ففي السابق كان الأمن الصناعي مرتبطًا بإنتاج الصلب والسيارات والطائرات. أما اليوم فأصبح مرتبطًا بالبطاريات والرقائق والبرمجيات والذكاء الاصطناعي والمعادن الحيوية.وبالتالي فإن السيارة الكهربائية أصبحت منتجًا صناعيًا واستراتيجيًا في الوقت نفسه.

جذب الاستثمارات الاجنبية

لذا فمن المهم التأكيد هنا علي أن هناك اكثر من سيناريو لهذا التطور .. الأول يتمثل في نجاح البرنامج في جذب استثمارات خاصة أكبر. عندها يمكن للتمويل الحكومي أن يعمل كحافز، فتتحول المشروعات البحثية إلى مصانع ومراكز تطوير وتزداد الوظائف ذات المهارات العالية.

السيناريو الثاني هو بقاء بريطانيا في موقع متوسط: تطور بعض التقنيات المتقدمة لكنها تظل تعتمد على شركات ومكونات أجنبية في مراحل رئيسية من الإنتاج.

أما السيناريو الثالث فهو أن تتجه لندن إلى سياسة صناعية أكثر حماية، تتضمن حوافز إضافية للمصانع المحلية وتشجيع شراء السيارات المنتجة داخل بريطانيا وربط الدعم الحكومي بمستوى معين من الإنتاج المحلي.

وهذا قد يضع بريطانيا أمام خلافات تجارية مع شركائها إذا اعتُبرت الحوافز تمييزية.

خلافات مع الشركاء

وهناك احتمال رابع أكثر أهمية: أن تستخدم بريطانيا الاتفاقات التجارية مع أوروبا والولايات المتحدة ودول آسيا لجعل نفسها مركزًا لتطوير تقنيات السيارات الكهربائية بدل محاولة إنتاج كل شيء محليًا.

لكن نجاح ذلك يتطلب استراتيجية صناعية طويلة المدى، لا سلسلة منح حكومية منفصلة.

والخبر في جوهره يكشف معركة أوسع داخل أوروبا: من يملك صناعة السيارات بعد انتهاء عصر محركات الوقود؟

فالدول التي كانت تملك مصانع السيارات في القرن العشرين ليست مضمونة القيادة في القرن الحادي والعشرين. والبطارية والبرمجيات وسلاسل المواد الخام قد تكون أهم من المحرك التقليدي.

ولهذا فإن قرار بريطانيا ضخ 130 مليون جنيه لا ينبغي اعتباره مجرد إنفاق أخضر؛ إنه محاولة للحفاظ على مكان داخل الخريطة الصناعية الجديدة قبل أن تكتمل ملامحها.

اترك تعليقا