الدعاء وإجابة الدعاء من منظور إسلامي

محمد القاضي يكتب:

مقدمة

كثيرٌ من الناس عندما يدعون ربهم -وخاصة عندما تتوالى المصائب والمحن وضيق العيش- لا يجدون إلا التضرع إلى الله بالدعاء، وهو سؤال الرغائب لجلب النفع أو دفع الضر. ورغم الإلحاح في الدعاء والتكرار لا يُستجاب لهم، وهنا يبدأ الانتقال إلى مرحلة ما بين السؤال: “لماذا لا يُستجاب لي؟”، حتى يمكن أن يصل المرء إلى مرحلة الشك وضعف اليقين وسوء الظن بالله.

ولأن وساوس الشيطان والنفس الأمارة بالسوء -وهما أكبر عدو للإنسان- تنشط في هذا الوقت الذي يكون فيه الإنسان في أضعف حالاته؛ فأين المشكلة؟ هل هي في الدين ونصوصه، أم في فهمي أنا لطبيعة هذا الدين ورب هذا الدين؟ وأن العباد ما قدروا الله حق قدره إلا من رحم الله.

ولذلك كان من نتائج عدم فهم هذا الموضوع: التجرؤ على الله والتلفظ بعبارات لا تليق بجلاله، وانصراف كثير من الناس عن عبادة الدعاء والركون إلى الأسباب -وخاصة المخالفة للشريعة- لقضاء الحاجات، أعاذنا الله من هذا الحال.

الموضوع

أولاً: هل هناك شروط لقبول الدعاء؟

نعم، للدعاء شروط لقبوله، وسوف نذكرها اختصاراً:

  1. الإخلاص: قال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: 14].

  2. اليقين التام بأن الله قادر على الإجابة وليس على سبيل التجربة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ» [رواه الترمذي].

  3. أن يكون الكسب حلالاً (مطعماً ومشرباً وملبساً): قال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص: «يَا سَعْدُ، أَطِبْ طُعْمَتَكَ تَكُنْ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ» [رواه الطبراني]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «…ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟» [رواه مسلم].

  4. أن يعزم المسألة: بمعنى عدم القول: “اللهم اغفر لي إن شئت”؛ لأن هذه المقولة لا تليق بجلال الله، إذ لا مُكْرِهَ له.

ثانياً: هل هناك موانع لقبول الدعاء؟

نعم، هناك موانع تمنع إجابة الدعاء، منها:

  1. الاستعجال: فالله لا يعجل بعجلة أحدكم. روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يُسْتَجَابُ لأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي».

  2. الدعاء بالإثم أو قطيعة الرحم: روى مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: «يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ».

  3. الدعاء من قلب لاهٍ أو ساهٍ: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لاهٍ» [رواه الترمذي وصححه الألباني].

ثالثاً: هل يمكن ألا يُقبل الدعاء لأسباب لا تتعلق بالعبد؟

(بصيغة أخرى: هل يمكن عدم قبول الدعاء رغم تحقيق الشروط وانتفاء موانع القبول؟)

نعم، قد يتأخر أو يمنع مقتضى الإجابة عن العبد رغم تحقيقه للشروط وانتفاء الموانع، لأسباب ترجع إلى حكمة رب العزة سبحانه. وفي هذا يقول ابن الجوزي رحمه الله: “رَأَيْتُ مِنْ الْبَلاءِ الْعَجَابِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَدْعُو فَلا يُجَابُ، فَيُكَرِّرُ الدُّعَاءَ وَتَطُولُ الْمُدَّةُ، وَلا يَرَى أَثَرًا لِلإِجَابَةِ؛ فَيَنبَغِي لَهُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ هَذَا مِنَ الْبَلاءِ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى الصَّبْرِ، وَمَا يَعْرِضُ لِلنَّفْسِ مِنَ الْوَسَاوِسِ فِي تَأْخِيرِ الْجَوَابِ مَرَضٌ يَحْتَاجُ إِلَى طِبٍّ”.

ومن أسباب تأخير أو منع الإجابة من الله:

  1. أنه سبحانه مالكٌ ومَلِك: وللمالك حق التصرف في ملكه بالمنع والعطاء، فلا وجه للاعتراض عليه.

  2. أن حكمته تقتضي ذلك: وقد ثبت بالواقع أن حكمته محيطة؛ فقد ترى أنت الشر خيراً والخير شراً، قال تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، وقال: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].

  3. قد يكون التأخير مصلحة والتعجل مضرة: كما ورد في الحديث: «لا يَزَالُ الْعَبْدُ فِي خَيْرٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ…».

  4. ربما يكون وراء إجابة دعائك دون أن تشعر زيادةٌ في الإثم أو تأخيرٌ عن مرتبة ومنزلة رفيعة: فكان المنع هو عين العطاء وأصلح لك.

  5. ربما يكون الفقد وعدم الإجابة سبباً في وقوفك على الباب والقرب من الله والإكثار من دعائه: والله يحب أن يسمع صوت عبدِهِ بالتضرع، بينما حصول الإجابة قد يكون سبباً في الانشغال عنه. فإن انشغال العباد بالنعم عن الله يكون سبباً للَذْعِهِم بعوارض تدفعهم إلى بابه يستغيثون به، وهذا من معاني «إذا أحبَّ اللهُ عبداً ابتلاه».

  6. الله عز وجل لا يُسأل عما يفعل: قال تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: 23]؛ فَسَلِّم أمرك لله باطناً وظاهراً حتى تستريح.

رابعاً: هل الدعاء عبادةٌ كالصلاة قُبل أم لم يُقبل؟

نعم، الدعاء هو العبادة وذِكْرٌ لله عز وجل، قُبِلَ المطلب أم لم يُقبل؛ فأنت تتعبد لله بفعله تماماً كالصلاة والصيام والزكاة والحج.

وأنت مثابٌ على دعائك في كل الأحوال بأحد ثلاثة أمور:

  1. إما أن تُعجَّل لك دعوتك.

  2. وإما أن يُدفع عنك من السوء والسوء بقدر دعائك.

  3. وإما أن يُدَّخر لك الأجر في الآخرة ليُغفر به ذنبك أو تُرفع به درجتك.

ولذلك فإن “إجابة الدعاء” بمفهومها الشامل تعني هذه الثلاث المذكورة، وليس محصورة فقط في قضاء ما طلبته أنت في الدنيا؛ فلا تنازع ربك فيما اختاره لك، فتدبيره لك خيرٌ من تدبيرك لنفسك، واختياره لك خيرٌ من اختيارك لنفسك.

خاتمة

وأخيراً، اعلم أن الله شدد البلاء على أنبيائه وأوليائه، فهم أشد الناس بلاءً؛ قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214].

أما هؤلاء أعداء أنفسهم، ضعيفو الإيمان والرضا بقضاء الله وقدره، فنقول لهم كما قيل لمن عارضوا القدر: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 48-49].

غفر الله لنا ولكم، وجعلنا ممن رضوا بقضائه وقدره، وسلموا لحكمه وأمره، وملأ قلوبنا يقيناً وطهرها من الشك والنفاق.