كيف أعادت المضادات الحيوية والتحسين الوراثي تشكيل غذاء العالم؟

صناعة عملاقة توازن بين البروتين الرخيص والمخاطر الصحية المتصاعدة

خلال أقل من قرن، تحولت الدجاجة من طائر بسيط يُربى في المزارع إلى واحدة من أكثر المنتجات الغذائية تصنيعاً وتعقيداً في العالم، فالدجاج الأبيض الذي أصبح اليوم عنصراً أساسياً على موائد مليارات البشر لم يكن موجوداً بهذه الصورة قبل عقود قليلة، بل هو نتاج رحلة طويلة من الانتخاب الوراثي، وتطوير الأعلاف، والتوسع الصناعي، واستخدام التقنيات الطبية التي أعادت تشكيل طبيعة هذا الطائر وسرعة نموه وحجمه.

وخلف الأسعار المنخفضة والانتشار الواسع للحوم الدواجن، تقف صناعة ضخمة تجمع بين شركات التربية والأعلاف والأدوية البيطرية والتكنولوجيا الحيوية، التي نجحت في تحويل الدجاج إلى مصدر رئيسي للبروتين الحيواني حول العالم، لكن هذه الثورة الغذائية، والتي ساهمت في إطعام أعداد هائلة من البشر، فتحت في الوقت نفسه نقاشاً واسعاً حول تداعيات الإنتاج المكثف، والاستخدام المفرط للمضادات الحيوية، وتأثير ذلك على صحة المستهلك ومستقبل الأمن الغذائي العالمي.

من دجاج المزارع إلى «آلة لإنتاج البروتين»..

حتى عشرينيات القرن الماضي، كان الدجاج يُعد من السلع الغذائية مرتفعة الثمن، وكانت تربيته تستهدف “إنتاج البيض” أكثر من “إنتاج اللحوم”، وعندما تتوقف الدجاجة عن وضع البيض، تُباع للاستهلاك، إذ لم يكن وزنها يسمح بتحقيق عائد اقتصادي كبير من تسمينها، وتشير بيانات “وزارة الزراعة الأمريكية” إلى أن متوسط وزن الدجاجة “عام 1925” بلغ نحو (1.34 كيلوجرام فقط)، وكانت تحتاج إلى أربعة أشهر في المتوسط للوصول إلى هذا الوزن.

التحول الحقيقي بدأ بعد “الحرب العالمية الثانية”، عندما ظهرت الحاجة إلى إنتاج كميات أكبر من البروتين الحيواني بأسعار منخفضة، ففي “عام 1945” أطلقت “الولايات المتحدة” مسابقة شهيرة لتطوير ما أطلقوا عليه «دجاج المستقبل»، بهدف إنتاج سلالات تنمو بسرعة أكبر وتوفر كمية أكبر من اللحم، خاصة في منطقة الصدر، مع الحفاظ على انخفاض تكلفة الإنتاج، وأدت هذه المسابقة إلى ظهور سلالات جديدة نتجت عن برامج “الانتخاب الوراثي” و”التهجين”، كان أشهرها سلالة «أربور أيكرز»، التي أصبحت الأساس الوراثي لغالبية الدجاج الأبيض التجاري المنتشر حالياً في مختلف دول العالم، ومع استمرار برامج التحسين الوراثي لعقود متتالية، تضاعفت معدلات النمو بصورة غير مسبوقة، وأصبح بالإمكان إنتاج دجاج يصل وزنه إلى (أربعة أو خمسة كيلوجرامات) خلال أسابيع قليلة فقط، مقارنة بأشهر طويلة كانت مطلوبة في الماضي.

ولإدراك حجم التطور، أجرت “جامعة ألبرتا الكندية” دراسة قارنت بين سلالات تعود إلى أعوام (1957) و(1978) و(2005)، مع تربيتها في الظروف الغذائية نفسها لمدة “56 يوماً”، وأظهرت النتائج أن سلالة “عام 1957” لم يتجاوز وزنها (905 جرامات)، بينما وصلت سلالة “1978” إلى نحو (1.8 كيلوجرام)، في حين تجاوزت سلالة “2005” حاجز (4.2 كيلوجرام)، وهو ما يعكس قفزة هائلة في كفاءة تحويل العلف إلى لحم، لكنها جاءت مصحوبة أيضاً بزيادة في مشكلات العظام والقلب والجهاز المناعي نتيجة النمو السريع.

سر النمو السريع وأصل الأزمة الصحية..

إلى جانب التطوير الوراثي، لعبت “المضادات الحيوية” دوراً محورياً في إعادة تشكيل صناعة الدواجن، ففي أواخر أربعينيات القرن الماضي، اكتشف باحثون أن إضافة بعض “المضادات الحيوية” إلى “علائق الدواجن” أو أعلافهم، يؤدي إلى “زيادة معدلات النمو”، و”تحسين كفاءة الاستفادة من الغذاء”، وهو ما دفع المنتجين إلى استخدامها على نطاق واسع داخل مزارع التسمين.

ومع مرور الوقت، أصبحت “صناعة الدواجن” من أكبر القطاعات استهلاكاً لـ”المضادات الحيوية” عالمياً، إذ تشير تقديرات إلى أن مزارع الحيوانات استخدمت أكثر من (63 ألف طن) من “المضادات الحيوية” سنوياً خلال “عام 2017″، استحوذت الدواجن على النصيب الأكبر منها، كما أسهم هذا الاستخدام في تقليل معدلات الإصابة بالأمراض داخل العنابر المكتظة، وسمح بتربية أعداد ضخمة من الطيور في مساحات محدودة وتحقيق معدلات نمو مرتفعة خلال فترة زمنية قصيرة.

من الناحية الاقتصادية، وفرت هذه المنظومة لحوماً منخفضة التكلفة، وهو ما جعل الدجاج يصبح أكثر أنواع اللحوم استهلاكاً في العالم، ففي “عام 2020” بلغ الاستهلاك العالمي نحو (131 مليون طن)، مقارنة بـ(119 مليون طن) في “عام 2016″، وتتصدر “الولايات المتحدة” قائمة المنتجين، بينما تعد “البرازيل” أكبر مُصدر للدواجن عالمياً، أما عربياً، فتتصدر “الكويت” و”السعودية” و”الإمارات” معدلات استهلاك الفرد، بينما تسجل دول أخرى مستويات أقل نظرًا لاختلاف مستويات الدخل والإنتاج المحلي، ولكن.. هذه المكاسب الاقتصادية يقابلها ثمن صحي متزايد، إذ يُعد الاستخدام المفرط لـ”المضادات الحيوية” في مزارع الدواجن أحد أبرز العوامل التي تسهم في ظهور “بكتيريا مقاومة للعلاج”، يمكن أن تنتقل إلى الإنسان، ما يقلل من فاعلية المضادات الحيوية التي يعتمد عليها الطب الحديث في علاج كثير من العدوى البكتيرية.

بين البروتين الرخيص وسلامة المستهلك..

تجلت خطورة المشكلة بصورة واضحة في “الولايات المتحدة” (عام 2013)، عندما أصيب مئات الأشخاص بعدوى “بكتيريا السالمونيلا” المقاومة لعدة أنواع من “المضادات الحيوية”، وارتبطت التحقيقات الصحية آنذاك باستهلاك “منتجات دواجن” من إحدى الشركات الكبرى، وأعاد هذا الحادث تسليط الضوء على العلاقة بين الاستخدام المكثف لـ”المضادات الحيوية” داخل مزارع الإنتاج الحيواني، وبين “تزايد مقاومة البكتيريا للعلاج”، وهي الظاهرة التي تتسبب حالياً في (وفاة مئات الآلاف من الأشخاص سنوياً حول العالم).

وفي المقابل، بدأت بعض الدول مراجعة نماذج الإنتاج التقليدية، ففي “هولندا”، قادت حملات المستهلكين في “عام 2015″، إلى تقليص الاعتماد على (سلالات الدجاج سريعة النمو)، واستبدالها بسلالات تُربى لفترات أطول وبكثافات أقل، بهدف تحسين مستويات الرفق بالحيوان وتقليل الاعتماد على “المضادات الحيوية”، وخلال عامين فقط، تراجعت حصة الدجاج سريع النمو في “الأسواق الهولندية” بصورة كبيرة، في تجربة اعتبرها كثيرون نموذجاً لإمكانية تحقيق توازن بين متطلبات السوق وحماية الصحة العامة.

ورغم أن “الدجاج” سيظل أحد أهم مصادر البروتين الحيواني في العالم، وذلك بفضل انخفاض تكلفته مقارنة بـ”اللحوم الحمراء”، فإن مستقبل هذه الصناعة سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الحكومات والمنتجين على تشديد الرقابة على استخدام “المضادات الحيوية”، وتطوير نظم إنتاج أكثر استدامة، ورفع وعي المستهلكين بأهمية الجودة إلى جانب السعر، فالتحدي الحقيقي لم يعد يتمثل في إنتاج المزيد من الدواجن، بل في إنتاج غذاء آمن يحافظ على صحة الإنسان دون أن يفرط في المكاسب الاقتصادية التي حققتها هذه الصناعة خلال العقود الماضية.

اترك تعليقا