الصين والناتو: من “الفرص والتحديات” إلى الصمت

د حاتم عزام يكتب

يستحق ملف الصين وقفة خاصة، لأن مسار حضورها في وثائق الحلف يختصر قصة التحول الجاري بأكملها.

لم تُذكر الصين في المفهوم الاستراتيجي للحلف عام 2010 ولا مرة واحدة. ثم جاء أول ذكر رسمي لها في بيان قمة لندن ديسمبر 2019، بصيغة حذرة متوازنة: “نفوذ الصين المتنامي وسياساتها الدولية تمثل فرصاً وتحديات معاً يتعين علينا معالجتها كحلف”[14]. وفي قمة بروكسل 2021 ارتفعت النبرة قليلاً مع الإشارة إلى “تحديات منهجية” تطرحها بكين على النظام الدولي. ثم جاءت النقلة الكبرى في المفهوم الاستراتيجي المعتمد بقمة مدريد يونيو 2022 – أول وثيقة استراتيجية للحلف تذكر الصين على الإطلاق – حيث وُصفت طموحاتها وسياساتها “القسرية” بأنها “تتحدى مصالحنا وأمننا وقيمنا”، ووُصفت شراكتها مع روسيا بأنها تقويض للنظام الدولي القائم على القواعد[15]. وبلغ التصعيد ذروته في بيان قمة واشنطن 2024 الذي وصف الصين صراحة بأنها “الممكّن الحاسم” (decisive enabler) لحرب روسيا على أوكرانيا[16].

ثم جاء بيان أنقرة 2026… خالياً من أي ذكر للصين على الإطلاق.

هذا الغياب ليس سهواً تحريرياً، بل انعكاس مباشر لحقيقة باتت مكشوفة: الإجماع الغربي حول “التهديد الصيني” لم يعد قائماً. فبينما تضع الاستراتيجية الأمريكية الصين في صدارة أولوياتها، لا يجد الأوروبيون ما يحملهم على عداء بكين، بل يرونها شريكاً تجارياً واقتصادياً لا غنى عنه – خصوصاً في لحظة تشن فيها واشنطن نفسها حرباً جمركية عليهم. والشواهد على هذا الافتراق تتجاوز لغة البيانات إلى أفعال ملموسة:

ففي 28-31 يناير 2026، قام رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بزيارة دولة رسمية إلى الصين هي الأولى لرئيس وزراء بريطاني منذ ثماني سنوات (منذ زيارة تيريزا ماي عام 2018)، على رأس وفد من نحو 60 ممثلاً عن كبريات الشركات البريطانية، واتفق مع الرئيس شي جين بينغ على بناء “شراكة استراتيجية شاملة”، وأثمرت الزيارة عن استثمار بقيمة 15 مليار دولار لشركة أسترازينيكا في الصين، وإعفاء البريطانيين من التأشيرة لثلاثين يوماً، وخفض الرسوم الصينية على الويسكي الاسكتلندي[17]. وقال ستارمر بوضوح: “شئنا أم أبينا، الصين مهمة لبريطانيا”.

وقبلها بأسبوعين فقط، في 16 يناير 2026، أبرمت كندا – الشريك التاريخي الألصق بالاقتصاد الأمريكي – اتفاقاً تجارياً لافتاً مع بكين: خفضت أوتاوا تعريفاتها على السيارات الكهربائية الصينية من 100% إلى 6.1% لحصة سنوية تبدأ بـ49 ألف سيارة وترتفع إلى 70 ألفاً خلال خمس سنوات، مقابل خفض الصين تعريفاتها على الكانولا الكندية من 84% إلى نحو 15% وإلغاء رسوم إضافية على منتجات زراعية وبحرية كندية[18].

والدلالة هنا مزدوجة: فصناعة السيارات الكندية قامت تاريخياً على التكامل شبه الكامل مع السوق الأمريكية، لكن تعريفات ترامب على السيارات الأجنبية ضربت المصانع الكندية وأفقدتها وظائف، فوجدت أوتاوا نفسها مضطرة لإعادة النظر في استراتيجيتها بأكملها والتوجه شرقاً. جاء رد ترامب بتهديد كندا بتعريفات 100% إن واصلت طريقها، وبعبارات من قبيل أن “الصين تستولي بنجاح وبشكل كامل على كندا التي كانت عظيمة”[19] – لكن الرسالة الكندية كانت قد وصلت: حين يتحول الحليف الأكبر إلى مصدر تهديد اقتصادي، يصبح “الخصم” المفترض شريكاً بديلاً مشروعاً. بل إن كارني نفسه قالها صراحة: علاقات كندا مع الصين باتت مؤخراً “أكثر قابلية للتنبؤ” من علاقاتها مع الولايات المتحدة.

في ضوء كل هذا، يصبح غياب الصين عن بيان أنقرة مفهوماً تماماً: أي صياغة مشتركة حول بكين كانت ستفجّر الخلاف الدفين بين واشنطن التي تريد حشد الحلف ضد الصين، وأوروبا وكندا اللتين تتجهان نحو بكين اقتصادياً هرباً من ضغوط واشنطن ذاتها. فكان الصمت هو الحل الوحيد المتاح.
—-
*مقتطف من ورقة تحليلة أعددتها بعنوان «بيان قصير لعالم مضطرب : قراءة إستراتيچية في قمة الناتو بأنقرة»