الرسول صلى الله عليه وسلم وسورة الزمر

د محمد علي يوسف يكتب

كانت البيوت قد أطبقت أبوابها، وانسحب ضجيج النهار شيئًا فشيئًا، حتى لم يبق في تلك الساعة إلا رجلٌ يناجي ربَّه…
هو ليس رجلا عاديا..
هو رسول الله صلى الله عليه وسلم..
يأوي إلى فراشه لكنه لا ينسى المناجاة حتى اللحظة الأخيرة من يومه..
ها هو يتلو سورة الزمر، وكأن الليل كله ينصت.
كان رسول الله ﷺ لا ينام حتى يقرأ سورة الزمر.
هكذا روت عنه ٱم المؤمنين عائشة رضي الله عنها..
وكذلك روت أنه يقرأ الإسراء..
لم تكن هذه مجرد عادة تتكرر كل ليلة حتى ألفتها النفس، وإنما كان اختيارًا يكشف عن منهجٍ كامل في ختام اليوم.
كأن القلب، قبل أن يسلّم نفسه إلى الموتة الصغرى؛ يحتاج أن يعيد ترتيب وجهته.
لم يكن النوم عند رسول الله ﷺ مجرد انقطاعٍ عن حركة النهار، ولكنه كان آخر محطة يقف فيها القلب أمام نفسه قبل أن يغيب عن الدنيا ساعات لا يملك فيها لنفسه نفعًا ولا ضرًا.
وكان يعلم أن من أغمض عينيه الليلة، فليس في يده عهدٌ أن يفتحهما مع شمس الغد.
لهذا لم يكن يختم يومه بما يسلّي الفكر لساعات، ولا بما يخفف عن النفس عناء يومٍ مضى ولكنه يختمه بما يعيد ترتيب الاتجاه.
هذا هو ببساطة ما كانت تصنعه هذه السورة في قلبه كل مساء..
الحقيقة التي أراد أن تظل يقظة في صدره ثم صدور أتباعه مهما تزاحمت عليهم الأيام، وأرهقتهم الدنيا، وألهتهم الحياة..
ما الذي يجعل سورةً بعينها تستحق أن تكون آخر ما يمر بالقلب قبل أن يغيب عن الدنيا؟
من يقرأ سورة الزمر لأول وهلة سيلحظ أنها تتحدث عن الأصول العقدية كسائر السور لكن بشكل مكثف..
تتحدث عن التوحيد و عن القيامة
عن التوبة و عن الجنة والنار.
كل ذلك حاضر فيها بقوة.
لكن ثمة خيط خفي تنتظم به السورة كلها، حتى تكاد القراءة العابرة تمر عليه دون أن تراه.
هي تبدأ بإنسانٍ يقف وحده.
وتنتهي ببشريةٍ كاملة تسير زُمَرًا.
تبدأ بقلبٍ يُخاطَب في خلوة، لا يراه فيها أحد إلا الله.
ثم تنتهي بحشودٍ تُساق إلى مصيرها، بعدما انكشف ما كانت تخفيه تلك القلوب.
تبدأ بأمرٍ لا يخاطب أمة، ولا جماعة، ولا مجتمعًا.
إنما يخاطب عبد يمثل خاشعا بين يدي ربه:
“إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ ۝ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ”.
ومنذ هذه الآية، تبدأ السورة رحلتها مع ذلك القلب الذي وقف وحيدًا بين يدي الله.
لا تستعجل به إلى مشاهد القيامة ولا تقفز مباشرة إلى أبواب الجنة والنار.
فقط تمشي معه خطوةً خطوة.
تكشف له ما يختبئ في أعماقه، وتزيح عن بصره طبقات الوهم، وتضع يده على أمراضه التي طالما أحسن إخفاءها حتى عن نفسه.
ثم تفتح له باب التوبة فلا ييأس، وتملأ قلبه رجاءً فلا يقنط، وتهزه بمشاهد الآخرة حتى يستيقظ من غفلته.
ثم…
وبهدوءٍ يشبه هدوء البداية، تصل السورة إلى خاتمتها.
لكن ذلك القلب الذي كان يقف وحده في أول الطريق، لم يعد وحده.
لقد تحولت البشرية كلها إلى مواكب تمضي في اتجاهين لا ثالث لهما.
“وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا”.
“وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا”.
هنالك تنكشف الفكرة التي كانت تنسج خيوط السورة كلها في صمت.

الإخلاص…
ذلك الشعور الذي لا يراه أحد والمقاصد التي لا يعلمها إلا الله، هي التي تختار الرفقة التي لن تفارقك أبدًا وستحدد الزمرة التي ستسير معها يوم القيامة.

قد تستطيع في الدنيا أن تنتسب إلى ما شئت.
أن تحمل أي اسم وأن ترتدي أي شعار وأن تقف في أي صف.
لكن يوم القيامة لن يسوقك اسمك، ولا نسبك، ولا فئتك، ولا اللافتة التي كنت ترفعها.
هناك لن يسوقك إلا قلبك.
كل إنسان سيُضم إلى من يشبهه، كما تنضم قطرات المطر إلى البحر الذي خرجت منه.
سورة الزمر تعيد رسم الطريق بين خلوةٍ لا يراك فيها أحد، وزمرةٍ لن تستطيع أن تفارقها بعد ذلك أبدًا.
ولهذا فهي لا تسمح لك أن تقيم طويلًا في المنطقة الرمادية.
لا تترك القلب نصف مخلص، ولا نصف تائب، ولا نصف مستيقظ.
إنها تدفعه برفقٍ وحزم، حتى يقف أمام السؤال الذي يفر منه أكثر الناس…
لمن يعيش هذا القلب؟
هذا سؤالٌ لا يمكن تجاوزه.
إذا كانت الزمرة التي سيُساق إليها الإنسان تُولد في خلواته، وبين المقاصد التي لا يطلع عليها إلا الله، فما الذي يجعل القلب يتشقق أصلًا؟
كيف يخرج من إخلاصٍ بسيط صافٍ، إلى هذا الشتات الذي يبدد عمره بين عشرات الجهات؟
لعل أكثر الأوهام رسوخًا في النفس البشرية أنها تتصور الحرية خلاصًا من كل عبودية.
والحقيقة أن الإنسان لا يعيش لحظةً واحدة خارج العبودية.
هو لا يخلع طوقًا إلا ليضع في عنقه آخر ولا يترك بابًا إلا ليدخل من باب غيره.
كل ما يملكه، أنه يختار لمن ينحني قلبه و يختار السيد الذي يسلم إليه فؤاده.

ولهذا جاء المثل الذي ضربه الله في هذه السورة من أبلغ أمثال القرآن، حتى ليخيّل إلى القارئ أنه لا يصف عبدًا من زمن الرق، وإنما يكشف ما يجري في أعماق الإنسان كل صباح.

“ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا”.
مشهد عبد تتنازعه أيدٍ كثيرة.
كلما همَّ أن يستجيب لواحدة جذبته أخرى..
هذا يستعجله.
وذاك يطالبه أن يتمهل.
وثالث يلومه لأنه قصّر.
ورابع يغضب لأنه اجتهد في غير ما يريد.
يقضي يومه كله يطارد رضًا لا يجتمع فالطريق إلى رضا أحدهم يمر دائمًا فوق سخط الآخر.

ذلك العبد لم يمكث في حروف المثل القرآني
الحق أنه يخرج معنا كل صباح حين نحمل أرواحًا موزعة بين مطالب لا تنتهي.
نخشى أن نخسر مكانتنا عند الناس ونخاف أن تتصدع الصورة التي صنعناها لأنفسنا ونلهث خلف نجاح لا نعرف أين ينتهي.

نستنزف أعمارنا لنقتنص إعجابًا يختفي من شاشة هاتف قبل أن يبرد أثره في القلب.
من بعيد يبدو الإنسان متماسكًا أما في داخله، فهو أقرب إلى ثوبٍ تتجاذبه عشرات الأيدي، وكل يدٍ تشده إلى جهة، حتى يخيل إليه أنه يتحرك، بينما هو في الحقيقة يتمزق.

يقال أن أخطر إصابة قد تصيب العضلة ليست دائمًا بسبب حملٍ ثقيل ولكنها تحدث حين تُجبر على الانقباض والتمدد في اللحظة نفسها.
لن يسمع أحد صوت التمزق ولا يرى أحد الدم.
لكن الألياف الدقيقة تنفصل عن بعضها في صمت.
كذلك الروح.
لا تصرخ ولا تنزف لكنها تفقد قدرتها على السير، كما تفقد البوصلة دقتها حين تعبث بها عشرات الحقول المغناطيسية في وقت واحد.
تظن أنها تبحث عن الحرية، بينما هي تهرب من سيدٍ واحدٍ رحيم، لتوزع نفسها على سادة لا يشبعون، ولا يكتفون، ولا يعرفون الرحمة.
ولهذا يعرض القرآن الصورة الأخرى في المقابل
الصورة المطمأنة الرائقة..

“وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ”.
عبدٌ لا يعرف إلا سيدًا واحدًا.
لا تتنازعه الأوامر ولا تمزقه الولاءات ولا يقف كل مساء يعرض قلبه على ألف ميزان متناقض.
يكفيه ميزان واحد.

التوحيد يا عزيزي راحة قبل أن يكون تكليفًا.
و الإخلاص تحرير قبل أن يكون عبادة.

كلما ازداد القلب إخلاصًا لله، خفت عنه أثقال الأرض، كما يخف الحمل عن المسافر كلما ألقى من متاعه ما لا يحتاج إليه.

وكلما ازداد تعلقًا بالناس، ازداد خوفه منهم، حتى يغدو أسير كلمة، ونظرة، وصمت
بل ربما أسير توقعات لم ينطقوا بها أصلًا.

لهذا أعلنت السورة منذ مطلعها تلك الحقيقة التي لا تقبل شريكًا.

“أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ”.

وكلمة “الخالص” وحدها تستحق وقفة طويلة.
الشيء الخالص هو الذي نُزعت منه كل شائبة، كما يخرج اللبن أبيض نقيًا من بين الفرث والدم.
يمر بينهما ويجاورهما.
لكنه لا يحمل من كدرهما شيئًا.
وكذلك الإخلاص.
ليس أن تضيف إلى عملك عملًا آخر ولكن أن تنتزع من العمل كل ما ليس لله.
أن يخرج القلب من بين الرياء، والعجب، وحب المدح، والخوف من الناس، كما يخرج اللبن نقيًا من بين ما يحيط به.

وذلك هو الدين الذي ارتضاه الله لنفسه.
أما النفس، فلا تحب هذا الصفاء الكامل.
هي مولعة بالمناطق الرمادية.
تحب طريقًا يطمئن الضمير، دون أن يهدم الأصنام الصغيرة المختبئة في القلب.
لهذا لم يكن الشرك في أكثر صوره إنكارًا لله.
الأصل أنه محاولة للالتفاف على الطريق المستقيم إليه.

“وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى”.
هم لم يقولوا إن تلك الآلهة خلقت السماوات والأرض.
كل ما ادعوه أنها تقربهم.
وهنا يكشف القرآن خدعة النفس.
إنها لا ترفض طريق الله بإطلاق.
أحيانًا هي فقط ترفض الطريق المباشر إليه فتبحث عن وسائط تؤجل بها صدق المواجهة.
وهذه الحيلة لم تمت.
لقد بدلت أسماءها فقط.
قد تصبح شخصًا أو فكرة أو مجموعة من البشر أو مالًا أو منصبًا أو شهرة.
أو صورةً متخيلة صنعها الإنسان لنفسه، ثم راح يعبدها وهو يظن أنه يحقق ذاته.
لكن القلب الذي عرف ربه لا يحتاج إلى كل هذه المتاريس.
هو يسير إليه كما يسير العطشان إلى الماء.
ولهذا جاء الرد الإلهي حاسمًا في خاتمة الآية.

“إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ”.
أعظم الكذب أن يكذب الإنسان على فطرته، فيزعم أنه يبحث عن الله، بينما يقضي عمره كله في الدوران حول كل شيء إلا مراد الله.

ولأن الإخلاص ليس شعارًا يُرفع ولكنه حقيقة تُختبر، فإن سورة الزمر لا تتركه معلقًا في فضاء المعاني، وإنما تنزله إلى أرض الحياة، حيث تنكشف القلوب تحت ضغط الشدة والرخاء، ويظهر المعدن حين يسقط عنه بريق الكلام.
هنا تأخذك السورة إلى مشهدٍ يعرفه كل إنسان، وإن اختلفت وجوه الناس وأزمانهم.
مشهدٌ يتكرر منذ أن وطئت قدما سيدنا آدم الأرض…
وسيظل يتكرر حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
“وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ”.

ما أعجب هذا القلب.
يظل يطرق أبوابًا لا تُحصى، ويظن أن الحياة موزعة بينها، حتى إذا ضاقت به الأرض، وانقطعت الأسباب، وتساقطت من حوله الدعائم التي كان يستند إليها، لم يجد في أعماقه إلا بابًا واحدًا لم يضل طريقه إليه يومًا.
هنالك يرفع يديه إلى السماء.
لا يسأله أحد كيف عرف الطريق ولا من علّمه هذه اللغة.
كأن المل يعلم أن الفطرة كانت نائمة تحت ركامٍ طويل، فلما هزتها الشدة استيقظت دفعةً واحدة، كما يندفع النبع من بين الصخور حين تنشق عنها أول قطرة.

يكفي أن تقف دقائق في ممرات الطوارئ داخل أي مستشفى..
في غرف العمليات وفي سيارات الإسعاف وعند هاتفٍ يرن في ساعةٍ متأخرة، حاملاً خبرًا يقسم الظهر..
وعند سرير طبيب يخبر المضطجع عليه أن ما كان يؤجله سنوات، لم يعد يحتمل التأجيل.
هناك… تتوارى الفلسفات وتسقط الأقنعة التي تعب الإنسان في تثبيتها على وجهه وسترى الحقيقة ماثلة…

سترى من كان يظن سنين عمره أن المال يحل كل معضلة، يجلس الآن أمام باب غرفة الإنعاش، لا يملك من الدنيا إلا دعاءً يردده بين أنفاسه.
سترى أمًّا كانت تظن أن قوتها في تدبيرها وحسن رعايتها، فإذا بارتفاع حرارة طفلها الصغير يذيب كل يقينها، فلا تجد إلا كفيها مرفوعتين إلى السماء.
حين تتساقط الأسباب واحدًا تلو آخر، وتنكسر العصي التي كان الإنسان يتوكأ عليها = يخرج من أعماق النفس نداءٌ قديم.
نداءٌ لم يتعلمه في مدرسة ولم يحفظه من كتاب ولم يلقنه له أحد لكن القلوب جميعا تعرفه وإن اختلفت الألسنة
نداء يخرج كما يخرج النفس من صدر الغريق.
“يا رب”.

ثم تمضي العاصفة ويعود النبض إلى هدوئه وتفتح أبواب غرف الإنعاش وتدب الحياة كما كانت.
هنا يبدأ الامتحان الحقيقي.
كثير من الناس يعرفون الله عند انكسارهم، لكنهم ينسونه حين تعود إليهم أسباب القوة.
وليس المقصود بالنسيان أن الذاكرة فقدت ما كانت تعرف.
إن الذاكرة تحتفظ بكل شيء.
لكن القلب هو الذي يطوي صفحة الافتقار، ويعيد توزيع الفضل على الأسباب، حتى يخيل إليه أن ما ناله كان ثمرة ذكائه، أو قوته، أو حسن تدبيره.

وهذا أخطر ما قد يصيب الروح أن تكون الشدة قد أعادتك إلى الله… ثم تأتي النعمة فتسرقك من طريقه مرةً أخرى.

ليس الابتلاء وحده ما يكشف القلب..
العافية أيضًا تفعل.
ورب نعمةٍ كانت امتحانًا أشد من ألف مصيبة.. لأن كثيرين يصبرون إذا ضاقت الدنيا…
أما حين تتسع، فهناك يبدأ النسيان.

لكن السورة لا تتركك طويلًا مع هذا القلب المتقلب.
لا تكتفي بأن تكشف مرضه، وإنما تضع أمامه صورة أخرى، ثم تبتعد قليلًا، كأنها تقول له في هدوء: اختر أي القلبين يشبهك.

“أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ”.
الليل مرة أخرى..

الليل له سر لا يعرفه إلا من طالت وقفته فيه.
النهار مزدحم بالعيون كل شيء فيه يرى ويقاس ويصفق له.

أما الليل…
إذا نام الناس، وانطفأت الشاشات، وسكتت الضوضاء، لم يبق إلا عينٌ واحدة لا تنام.

لهذا كان الليل مدرسة الإخلاص الأولى.
في النهار يستطيع الإنسان أن يرتب كلماته، وأن يحسن صورته، وأن يبدو صالحًا ما دام الناس ينظرون إليه.
أما الليل فلا يجامل أحدًا.
هو أشبه بمرآة صافية إذا وقفت أمامها، رأيت قلبك كما هو، لا كما تحب أن يراك الناس.

لهذا لم تعرض السورة رجلًا كثير العبادة فحسب.
لقد عرضت إنسانًا انتهت حيرته.
إنسانًا عثر أخيرًا على قبلته الداخلية واستقرت بوصلته..
يقف وحده.
لا جمهور.
ولا تصفيق.
لا كاميرات ولا عين تنتظر أن تلتقط له لحظة خشوع.
لا أحد يعلم كم مرة غلبته دموعه ولا كم آية أعادها حتى أشرقت في قلبه قبل أن يطلع بها الفجر ولا كم سجدة أطالها، لأنه وجد فيها ما عجز أن يجده في صخب النهار كله.

وهناك…
في تلك الخلوة التي لا يراك فيها إلا الله، تتساقط آخر الأقنعة.
وهناك أيضًا يولد الإنسان الذي سيظهر للناس في النهار.
قيام الليل ميزان عجيب
فالعمل الذي لا يطلع عليه إلا الله، هو أكثر الأعمال قدرةً على فضح النوايا، وأصدقها في كشف الإخلاص.
ومن هنا تأتي المفاجأة.
بعد أن رسمت الآية هذه الصورة، لم تختم بـ هل يستوي المصلون وغير المصلين؟ ولا هل يستوي العابدون وغير العابدين؟
ولكن خُتمت
“قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ”.
كأن السورة تعيد تعريف العلم من جذوره.
العلم ليس ما ازدحمت به الذاكرة ولا عدد الكتب التي عبرت بين يديك ولا كثرة الأقوال التي تستطيع أن ترددها.

قد يحمل الإنسان مكتبة كاملة في رأسه… ويبقى قلبه خاليًا إلا من الوحشة.
العلم الذي يمدحه القرآن شيء آخر.
إنه المعرفة التي تغير هيئة القلب.
المعرفة التي إذا نزل الليل، دفعت صاحبها إلى القيام، لا إلى مزيد من الغفلة.
المعرفة التي تتحول إلى خشية، كما تتحول البذرة الصغيرة، إذا لامست ماء الحياة، إلى شجرة لا تشبه حجمها الأول.
لهذا قيل “ليس العلم عن كثرة الحديث، ولكن العلم عن كثرة الخشية.”
الفارق بين العالم وغيره، ليس فيما يحفظه ولكن فيما أيقظه العلم داخله.
هذا هو الفارق الذي تصنعه سورة الزمر.
إنها لا تسألك كم تعرف ولكن تسأل ماذا فعلت بك معرفتك وإلى أين وجهتك؟

لكن السورة لا تكتفي بأن تعلمك كيف يحيا القلب ولكنها تعلمك كيف تكتشف إن كان ما يزال حيًا أصلًا.

هناك علامات لا تحتاج إلى أجهزة تقيسها، ولا إلى أحد يخبرك بها.
القلب يكشف نفسه بنفسه.
لهذا تنتقل السورة إلى علامة من أدق علامات حياة القلب وموته.
علامة لا تتعلق بما يقوله الإنسان ولكن بما يشعر به قبل أن يتكلم.
“وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ۖ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ”.
تأمل الكلمة.
اشمأزت!
لم يقل غضبت ولا أنكرت ولا أعرضت.
“اشمأزت”.
كلمة تكاد ترى حركتها بعينيك.
كأن القلب ينكمش فجأة، ويتراجع إلى الداخل، كما تنقبض اليد إذا لامست شيئًا تنفر منه.
أي انقلابٍ أصاب الفطرة حتى يصبح ذكر الله ثقيلًا على القلب بينما يخف عليه كل ما سواه؟!
تحدثه عن المال، فتشرق ملامحه.
وتكلمه عن الشهرة، فينصت.
تذكر النفوذ، أو التجارة، أو الرياضة، أو أخبار الناس، فتجده حاضر الذهن، سريع التفاعل.
لكن ما إن يدور الحديث عن ربه…
عن لقائه…
عن الآخرة…
عن تزكية القلب…
هنالك يخفت بريق عينيه ويشعر أن المجلس قد طال وأن الحديث صار ثقيلًا.
وكأن قلبه يبحث عن أول فرصة ليهرب إلى موضوع آخر.
ليست المشكلة في اللسان.
اللسان قد يجامل وقد يحفظ الكلمات المناسبة.
أما القلب فلا يجيد التمثيل طويلًا.
إنه يكشف نفسه بما يفرح له وبما يضيق منه.
ولهذا كانت هذه الآية من أدق الموازين التي يزن بها الإنسان قلبه.
فما يشرح صدرك يخبرك كثيرًا عن حقيقة وجهتك.
وما تنقبض منه نفسك قد يكون هو الموضع الذي يحتاج إلى أعظم قدر من المراجعة.

ثم تمضي السورة خطوة أخرى.
فبعد أن كشفت كيف يستقبل القلب ذكر الله تكشف كيف يستقبل كلام الله.
“اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ”.
وصف لا يستطيع أن يكتبه بشر.
كأن أثر القرآن لا يقتصر على القلب ولكن يسري إلى كل شيء
حتى الجلد
الغلاف الخارجي للجسد…
يذيبه.. ويخترقه..
تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُود
الوحي حين ينزل على قلبٍ حي، لا يبقى أثره حبيس الداخل، ولكن يمتد حتى ترتجف له أطراف الجسد، كما تمتد الدائرة فوق صفحة الماء من حجرٍ صغير أُلقي في مركزها.

“تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ”.
ترتجف النفس أولًا ثم يهتز الكيان كله.
ثم…
“ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ”.
ما أرق هذا الترتيب.
خشية…
ثم سكينة.
هيبة…
ثم أُنس.
رجفة توقظ القلب من غفلته… ثم رحمة تضمد ما شققته تلك الرجفة.
هكذا يربي القرآن أهله.
لا يتركهم أسرى للخوف حتى يقنطوا ولا يغرقهم في الرجاء حتى يأمنوا.
يمسك بالقلب كما يمسك الأب الرحيم بيد طفله وهو يعبر طريقًا مزدحمًا.
مرة يشدها…
وأخرى يرخِيها..
حتى يصل به سالمًا.
لهذا لم تكن القشعريرة وحدها غاية كما أن اللين وحده ليس غاية.
الكمال أن ينتقل القلب بينهما كما أراد الله.
أن توقظه الخشية… ثم تثبته السكينة.
ذلك هو القلب الذي بدأت سورة الزمر رحلتها تبحث عنه… وانتهت وهي ترسم ملامحه.

على الجانب الآخر ترسم السورة صورة يخشاها كل من عرف قلبه يومًا.
“فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ”.
تأمل الآية جيدًا.
ليست القاسية قلوبهم على الناس ولا القاسية قلوبهم في معاملاتهم.
الآية ردّت القسوة كلها إلى موضع واحد.
“مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ”.
هناك تبدأ القسوة قبل أن تظهر على اللسان وقبل أن تراها في التصرفات.
تبدأ حين يفقد القلب قدرته على الارتجاف.
قد يبكي الإنسان وهو يشاهد فيلمًا وقد يختنق صوته عند قصيدة وقد تهزه قصة إنسانية، أو مشهد وداع، أو لحن قديم أعاده إلى ذكرى بعيدة.
لكن آية من كلام الله…
قد تمر عليه كما يمر النسيم فوق صخرة.
لا توقظه ولا تربكه ولا تترك فيه أثرًا.
يسمع الحديث عن الموت كما يسمع نشرة الطقس.
يمر على آيات القيامة كما يمر على لوحة إعلان في طريق اعتاد المرور به كل يوم.
ليس لأنه لا يفهم العربية ولا لأن المعاني غابت عنه ولكن لأن بين قلبه وبين القرآن حجابًا كثيفًا، تراكم طبقة فوق طبقة، حتى صار النور يصل… ولا يجد موضعًا ينعكس فيه.
والمرآة لا تفقد قدرتها على عكس الصورة دفعة واحدة.
تبدأ بنقطة صغيرة ثم أخرى ثم ثالثة.
حتى يأتي يوم تقف أمامها، فلا ترى وجهك أصلًا.
وكذلك القلب.
لا يقسو فجأة وإنما تغشاه الذنوب كما يغشى الغبار قطعة أثاث تُركت طويلًا في غرفة مغلقة.
في البداية تمسحه بإصبعك ثم تحتاج إلى يدك كلها.
ثم يأتي وقت لا يعود المسح وحده كافيًا.
وأخطر ما في هذه المرحلة أن القلب لا يعود يشعر بما أصابه فالمرض الذي يؤلم، ما زال يعلن عن نفسه.
أما حين يختفي الألم… فقد يكون ذلك لأن الإحساس نفسه قد مات.
وهذا هو الوجع الحقيقي.
لهذا لم تذكر سورة الزمر هذا المرض لتدفع القلب إلى اليأس ولكن لتأخذه، وهو يرى قسوته بعينيه، إلى أعظم باب رجاء يمكن أن يطرقه إنسان.
فبعد كل هذه الرحلة…
بعد الحديث عن الإخلاص وعن الشرك الخفي وعن القلوب التي تتنازعها الجهات وعن الذين لا يعرفون ربهم إلا في الشدة وعن القلوب التي اشمأزت من ذكره وعن القلوب التي قست حتى لم تعد ترتجف لكلامه…
قد يظن الإنسان أن الوقت قد فات وأن الأبواب أغلقت وأن ما مضى من عمره أكبر من أن يُجبر..
وفي اللحظة التي يوشك فيها اليأس أن يتمدد داخل النفس، وتظن الروح أنها قد تجاوزت خط اللاعودة، هنا… تفاجئه السورة بأكثر آيات الرجاء احتضانًا للقلوب المنكسرة.
كأنها تقول له: الآن… بعدما رأيت نفسك على حقيقتها، صار قلبك مستعدًا لأن يسمع نداء الرحمة..
“قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ”.

هي الآية التي ذهب كثير من المفسرين إلى كونها أرجى آية في كتاب الله.
كأنها بلسم بارد يوضع على جرح غائر.
من يتأمل ترتيب الكلمات في الآية سيدرك شيئًا مدهشًا..
رغم كونهم مسرفين عصوا واستزادوا إلا أن الذنب لم يكن أول ما عرّفهم الله به.
التعريف الأول كان “العبودية”.
تأمل كيف يبدأ النداء.
لم يقل: يا أيها المذنبون ولا: يا أيها العصاة ولا حتى: يا أيها المسرفون.
قال: “يَا عِبَادِيَ”.
أضافهم إليه بياء النسبة تشريفًا وتلطفًا، قبل أن يطالبهم بأي شيء.
ذكّرهم بشرف من هُم..
ناداهم بالنسب التي لم يمزقه الذنب، ولم تقطعه الخطيئة قبل أن يذكّرهم بوجع ما فعلوا..
الرحمة سبقت العتاب، والانتساب سبق الحساب.
هذه هي طريقة القرآن في انتشال الغارق..
لا يبدأ بتوبيخه لأنه ابتلع ماء البحر، وإنما يمد إليه يده أولًا، ليخرجه إلى الشاطئ، ثم يعلمه بعد النجاة كيف يتجنب الغرق مرة أخرى.
أسوأ ما تفعله الخطيئة في نفس صاحبها هو الإقناع الكامل بأنه قد تجاوز الحد المسموح به للمغفرة.
والشيطان بارع جدًا في هذا السعي؛ يوسوس لك حتى تقترف الذنب، ثم يجلس بجوارك، يربت على كتفك ليقنعك أن صحيفتك قد اسودت بالكامل، وأنك لم تعد أهلًا لأن تعود.

اليأس هو القفل السري الذي يوضع على باب زنزانة المعصية ليضمن بقاءك في القاع طواعية.
أما القرآن، فيبدأ من الجهة المقابلة تمامًا.
يناديك باسمك عند ربك، لا باسمك الذي تلطخ بمرارة ذنبك.
ثم انظر إلى دقة التعبير:
“الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ”.
الإسراف هو الإفراط والمبالغة وتجاوز كل الحدود.
الآية إذاً لا تخاطب عابرًا على محطة المعصية… زل مرة أو مرتين
هي تخاطب من أكثر، وأفرط، وتكرر منه السقوط حتى اعتاده.
ومع ذلك كله… يأتيه النهي القاطع:
“لَا تَقْنَطُوا”.
هو ليس مجرد رجاء ناعم..
هو نهي حاسم عن اليأس.
كأن القنوط واستصغار سعة الرحمة أصبح معصية أخرى لا يجوز لك الوقوع فيها.
ثم تأتي العبارة التي كسرت اليأس عبر القرون، وأضاءت عتمة سجون القنوط التي حبس البشر فيها أنفسهم:
“إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا”.
جميعاً..
كلها.
بلا استثناء.
لا يضيق بحر المغفرة عن ذنب مهما عظم، ولا يبقى من أثر الخطيئة شيء لمن جاء تائبًا صادقًا.
لهذا كان السلف يعدون هذه الآية بابًا واسعًا لا يضيق بعظم الذنب أبدًا..
يضيق فقط بمن قرر أن يغلقه على نفسه متوهمًا أن ظلام خطيئته أقوى من نور الرحمة.

لكن السورة كعادة القرآن توازن بين معايير الرحمة والخوف كي لا يتسرب الإرجاء ويتحول إلى أريكة مريحة يتكئ عليها الكسل.
الرحمة في ميزان الوحي ليست تخديرًا للضمائر و إنما هي وقود للعمل والبذل.
لذلك يأتي جرس الإنذار ليستقيم ميزان الخوف والرجاء.
“وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ”.
الإنابة هنا ليست مجرد فكرة دافئة تداعب الخيال.
الإنابة خطوة.
استدارة كاملة في منتصف الطريق تترك خلفها كل ما يغضب الخالق.
ولأن الصدق يظهر في الخطوات وليس في النوايا المكتومة وحسب فقد جاء التوجيه اللاحق أشد وضوحًا.
“وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم”.
إذا التفت القلب حقًا، فستتغير حركة الأقدام حتمًا.

أما أن يبقى الإنسان معلقًا بأمنيات النجاة وهو سائر في طريق الهلاك = فذلك فخ قديم لطالما حذرنا منه القرآن.. .
لهذا تمتلئ السورة بعد ذلك بمشاهد محزنة للحسرة التي تأكل القلوب.
“أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وإن كنت لمن الساخرين”.
“أَوۡ تَقُولَ لَوۡ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِی لَكُنتُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِینَ”
“أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ”.
تأمل هذا النحيب الأبدي.
كل أمنيات أهل النار تبدأ بحرف واحد بائس.
لو.
لو رجعت.
لو انتبهت.
لو التفتُّ قبل فوات الأوان.
لكن عقارب الساعة هناك لا تعود إلى الوراء أبدًا.
الزمن في الآخرة لا يمنح فرصًا إضافية للمترددين.

من كمال الرحمة الإلهية أن يُسمعك القرآن هذه الصرخات المكتومة هنا في هذه الدار..
الآن…
يسمعك إياها قبل أن تتجمد الكلمة في حنجرتك وتصبح حقيقة لا تملك ردها.
ثم وفي لحظة مذهلة، يرتفع سقف المشهد فجأة.
تنتقل السورة من ضيق القلب الفردي وصراعاته، إلى اتساع الكون بأسره.
“وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ”.
تتهاوى المقاييس البشرية كلها دفعة واحدة.
كل ما كان يملأ عينيك في الدنيا يتضاءل حتى يتلاشى تمامًا.

الدول العظمى، الممالك الواسعة، الأرصدة المتضخمة، الجبال الراسيات، والأرض التي طالما مشى عليها أقوام يظنون أنهم آلهة.
كلها يومئذ في قبضة الواحد القهار.
تتساءل حين تقرأ الآية متعجبًا: كم كان الإنسان مخدوعًا بحجمه وهو يظن أنه يقبض على خيوط العالم.
ثم تأتي اللحظة الفاصلة.
“وَنُفِخَ فِي الصُّورِ”.
نفخة واحدة تنهي كل هذا الضجيج في غمضة عين.
ثم نفخة أخرى توقظ الوجود كله من رقدته.
وما بين النفختين تسقط التواريخ، وتتبخر الأمجاد، وتذوب كل المكتسبات الخادعة التي تقاتل الناس عليها طويلاً.

“وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا”.
تخيل أرض المحشر في تلك اللحظة المهيبة.
لا شمس ترسل أشعتها، ولا قمر يعكس الضوء، ولا نيران تشتعل.

كل مصادر النور القديمة التي ألفها البشر قد انطفأت إلى الأبد.
ثم غمر الوجود نور جليل لم تعرفه الأبصار من قبل.
نور ربها.
ذلك النور الكاشف الذي يسقط معه كل احتجاب.
لا ظل يختبئ فيه ظالم ولا زاوية معتمة يتوارى فيها باطل ولا قناع يستر وجه منافق.
الضوء هناك لا يكشف ملامح الوجوه فحسب، وإنما يخترق الصدور ليفضح ما تخفيه.
“وَوُضِعَ الْكِتَابُ”.
انتهى عصر الادعاءات العريضة، والمرافعات البليغة وصيحات المحامين وبدأ زمن السجلات الصارمة التي لا تغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصتها.
“وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ”.
تكتمل أركان المشهد الأعظم، لتأتي الجملة التي تتنفس لها قلوب المظلومين الصعداء، بينما ترتجف منها أركان الظالمين.
“وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ”.
لن تُظلم روح يومئذ.
ولا بمقدار ذرة.

ثم تبلغ السورة ذروتها المشهدية الكبرى.
اللحظة التي استعارت السورة اسمها منها، لتطبع في وعينا صورة لا تُنسى.
لم يعد هناك أفراد متناثرون.
هنالك تتلاشى الفردية تماما، وتنتهي العشوائية البشرية التي طبعت مسارات الناس في الأرض.
نحن الآن أمام “زُمَر”.
مواكب وحشود متراصة.
كل زمرة تجتذب من يشبهها
وكل قلب يجد مكانه الطبيعي وسط الذين قاسموه ذات النبض وذات الغفلة في الدنيا.
“وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا”
تأمل شدة الفعل المبني للمجهول في كلمة سِيقَ.
إنها لا تشبه السير الاختياري، ولا المسير الهادئ المتأني.
هي حركة قهرية لمن سقطت إرادته تماما.
سوق عنيف لا يملك أصحابه أن يتأخروا خطوة، ولا أن يلتفتوا وراءهم، ولا أن يجادلوا في وجهتهم.
قطيع يُدفع بقسوة نحو مصير لا مهرب منه.
حتى إذا بلغوا المدى، وصاروا وجها لوجه أمام الهاوية…
“فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا”
هكذا فجأة… دون حروف تمهيدية…
مفاجأة الكارثة.
لم تكن الأبواب مشرعة بانتظارهم
لقد ظلت مغلقة تخفي الرعب الماكث خلفها حتى تكدست الجموع أمامها ثم انفتحت بغتة لتلفحهم النار، ويستقبلهم التوبيخ المرير من الخزنة الغلاظ الشداد بسؤال لا يملكون له جوابا ينجيهم.
“أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ”

والحقيقة معروفة..
لقد جاءت الرسائل تترى.
المشكلة لم تكن يوما في وصول الرسالة، ولا في وضوح الدليل.
المشكلة كانت في ذلك القلب الذي استغشى ثيابه، وأغلق نوافذه من الداخل، واستكبر استكبارا.

ثم… وكأن نسيما باردا هب فجأة بعد طول اختناق وحر.
يلتفت السياق القرآني ليصف اللوحة المقابلة بجمال يخلب الألباب.
“وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا”
هو الموكب ذاته من حيث الشكل.
حشود ومجموعات متراصة لكن ما أبعد المسافة بين الطريقين.
يساقون أيضا لكنه سوق تكريم وحفاوة، كوفود الملوك حين تُزف في مواكب الشرف.
يمشون تحفهم الملائكة، وتظللهم السكينة، وتسبقهم بشائر الوصول.
“حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا”
ولطالما استوقف هذا الحرف الصغير المفسرين وأهل اللغة.
“واو” واحدة تغير شكل المشهد بالكامل.
ليست هناك مفاجآت عنيفة بل هدوء جميل..
كأن أبواب الجنة كانت مشرعة سلفا تنتظر أهلها تتشوق لقدومهم، وتتزين لاستقبالهم، فيصلون ليجدوا الأبواب مفتوحة والدار مهيأة.
ثم يأتيهم النداء الأعظم.
النداء الذي يستحق أن يصبر الإنسان عمره كله، ويكابد شهواته، ويقبض على جمره، من أجل أن يسمعه في تلك اللحظة.
“سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ”
طِبْتُمْ…
ما أعمقها وما أنداها.
طابت قلوبكم حين أخلصتم..
حين طهرتموها من الشركاء، وطابت سرائركم حين غسلتموها من أدران الدنيا وطابت خلواتكم التي لم يكن يراها أحد إلا الله.

فلما طاب الجوهر، طابت لكم الدار اليوم، فادخلوها آمنين.

وهناك… لا ينتهي المشهد عند مجرد تجاوز العتبة.
السورة التي دفعتنا للمنافسة في بدايتها، ترفع أبصارنا الآن إلى ما أعده الله للصفوة.
“لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ”
غرف فوق غرف.
مقامات شاهقة، ومنازل سامية.
كما أخبر النبي ﷺ أن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق.

منازل لا تُنال بالأماني الباردة، إنما تُبنى هنا في الدنيا..
سجدة بسجدة، ودمعة بدمعة، وإخلاصا بإخلاص.

ثم ينسدل الستار على المشهد الأخير.
اللقطة الختامية للوجود بأسره.
الملائكة حافون من حول العرش.
دوى التسبيح يملأ أرجاء الكون المتناهي.
لقد اكتمل العدل الإلهي تماما وأخذ كل ذي حق حقه، واستقر أهل النعيم في نعيمهم، وأهل الشقاء في شقائهم ولم يبق في الكون كله، بكل أبعاده وأزمانه وتاريخه المديد، إلا جملة واحدة، تصلح أن تكون خاتمة قصة الوجود قاطبة.
“وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ”
هنا فقط ينجلي السر.
وتفهم بعمق لماذا كان رسول الله ﷺ يختم بهذه السورة يومه ولا ينام حتى يتلوها.
هي سورة تعيد ترتيب القلب.. .
تغسله من أوحال الأرض، وتنتزع عنه ما علق به من غبار الناس طوال النهار.
هي لا تهيئ الإنسان لنوم مريح قبل أن ترده إلى الحقيقة الحاسمة التي سيستيقظ عليها يوما ما سواء استيقظ غدا على فراشه الوثير، أو استيقظ بعد النفخة الثانية من تراب قبره.

وما بين أول السورة وآخرها رحلة كاملة تدهش العقول.
بدأت بإنسان يقف وحده في عتمة الليل يخلص دينه لربه، وانتهت بجموع وبشرية كاملة تسير إلى مصيرها الأخير.

كأن السورة كلها تهمس في أرواحنا أن الطريق إلى الزمرة لا يبدأ يوم الحشر في ساحات القيامة وإنما يبدأ في تلك اللحظة الصامتة التي تغلق فيها باب غرفتك، ولا يكون معك إلا الله.

هناك، في تلك العتمة الخفية، تتحدد الرفقة التي ستسير معها يوم القيامة.
تُبنى هناك، قبل أن يراها أحد، وقبل أن تدركها أنت نفسك.

وحين تطوي الصفحة الأخيرة من سورة الزمر، وتسكت التلاوة، يبقى سؤال واحد يرافقك كظلك.
سؤال لا يحتاج إلى صوت مرتفع، لأنه يطرق أعمق موضع في جدار القلب.
إذا كانت حالة قلبك هي التي تصنع زمرتك…
فمع من تُعِدُّ قلبك اليوم، لتُساق معه غدا؟

#مفاتيح_سور_القرآن
سورة #الزمر

كلمات مفتاحية: