صادرات نفط الخليج ترتفع

رغم تصاعد التوترات في هرمز

شهدت أسواق الطاقة العالمية خلال يوليو 2026 تحولات متسارعة مع ارتفاع صادرات النفط الخليجية في النصف الأول من الشهر، بالتزامن مع تراجع حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز نتيجة تجدد المواجهات العسكرية في المنطقة. ويعكس هذا المشهد توازناً معقداً بين رغبة الدول المنتجة في الحفاظ على تدفق الإمدادات إلى الأسواق العالمية، وبين المخاطر الأمنية التي تهدد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز.

وأظهرت بيانات شركات تتبع الشحن البحري أن صادرات النفط الخام والمكثفات من السعودية والإمارات والعراق والكويت وإيران سجلت ارتفاعاً ملحوظاً مقارنة بشهر يونيو، مستفيدة من فترة الهدوء النسبي التي أعقبت الاتفاق المؤقت بشأن الملاحة في مضيق هرمز. إلا أن هذا التحسن لم يدم طويلاً، إذ أدى انهيار الاتفاق وتجدد التصعيد العسكري إلى تراجع أعداد الناقلات العابرة للمضيق، ما أعاد المخاوف بشأن أمن الإمدادات العالمية.

ويرى فاتح بيرول، المدير التنفيذي لـ وكالة الطاقة الدولية (IEA)، أن أمن طرق الشحن البحرية يمثل عنصراً أساسياً لاستقرار أسواق الطاقة، مشيراً إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في الممرات الاستراتيجية ينعكس سريعاً على الأسعار وسلاسل الإمداد، حتى إذا بقي الإنتاج عند مستويات مرتفعة.

ويؤكد بوب ماكنالي، رئيس شركة Rapidan Energy Group والمستشار السابق لشؤون الطاقة في البيت الأبيض، أن الأسواق لا تتفاعل مع حجم الإنتاج وحده، بل مع قدرة المنتجين على إيصال النفط إلى المشترين في الوقت المناسب. ولذلك فإن المخاطر الجيوسياسية في مضيق هرمز تظل من أبرز العوامل المؤثرة في أسعار الخام.

مضيق هرمز… شريان الطاقة العالمي

يمثل مضيق هرمز نقطة عبور رئيسية لصادرات النفط والغاز القادمة من الخليج، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من الإمدادات المتجهة إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية. ولذلك فإن أي تراجع في حركة الملاحة يدفع المستوردين إلى البحث عن بدائل، كما يدفع شركات الشحن إلى رفع رسوم التأمين والنقل بسبب ارتفاع مستوى المخاطر.

ويشير خبراء الطاقة إلى أن انخفاض عدد الناقلات العابرة للمضيق خلال الأيام الأخيرة يعكس حذر شركات الشحن، التي تراقب تطورات الوضع الأمني قبل إرسال سفنها إلى المنطقة.

بدائل التصدير تقلل المخاطر

دفعت التطورات الأمنية عدداً من الدول الخليجية إلى الاعتماد بصورة أكبر على خطوط الأنابيب والموانئ المطلة على البحر الأحمر أو بحر العرب لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز.

وتبرز السعودية في هذا السياق من خلال زيادة الاعتماد على ميناء ينبع، الذي يوفر منفذاً مباشراً إلى البحر الأحمر، ما يمنحها مرونة أكبر في الحفاظ على صادراتها حتى في حال تعطل الملاحة عبر المضيق.

ويرى دانييل يرجين، نائب رئيس S&P Global وأحد أبرز خبراء الطاقة في العالم، أن تنويع مسارات التصدير أصبح جزءاً أساسياً من استراتيجيات أمن الطاقة، مؤكداً أن الاستثمار في خطوط الأنابيب والموانئ البديلة يقلل من تأثير الأزمات الجيوسياسية على الأسواق.

الأسواق بين وفرة الإنتاج ومخاوف الإمدادات

ورغم ارتفاع الصادرات خلال النصف الأول من يوليو، فإن الأسواق لا تزال تتعامل بحذر مع التطورات الميدانية، إذ إن استمرار التوتر قد يدفع بعض الدول إلى خفض الإنتاج إذا أصبحت عمليات الشحن أكثر صعوبة أو ارتفعت تكلفتها بصورة كبيرة.

كما أن ارتفاع تكاليف التأمين البحري وأسعار الشحن قد يزيد من تكلفة وصول النفط إلى الأسواق، وهو ما قد ينعكس على أسعار الوقود والصناعات المعتمدة على الطاقة في مختلف أنحاء العالم.

آسيا الأكثر تأثراً

تعد الاقتصادات الآسيوية، وفي مقدمتها الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، الأكثر اعتماداً على نفط الخليج، ولذلك فإن أي اضطراب في صادرات المنطقة يفرض تحديات إضافية على أمن الطاقة لديها.

ويرى خبراء أن استمرار التوتر سيدفع هذه الدول إلى تنويع مصادر الاستيراد وزيادة الاحتياطيات الاستراتيجية، تحسباً لأي انقطاع مفاجئ في الإمدادات.

شركات الطاقة تراقب التطورات

تتابع شركات النفط العالمية وشركات الشحن البحري تطورات الوضع بشكل مستمر، حيث تعتمد قراراتها التشغيلية على تقييم المخاطر الأمنية وأسعار التأمين وحركة الملاحة.

ويؤكد محللون أن قدرة المنتجين الخليجيين على الحفاظ على مستويات التصدير ستظل مرتبطة بمدى استقرار الممرات البحرية، حتى مع وجود بدائل جزئية لبعض الدول.

توقعات المرحلة المقبلة

يتوقع خبراء وكالة الطاقة الدولية أن تبقى أسواق النفط شديدة الحساسية لأي تطور عسكري في الخليج خلال الأسابيع المقبلة، خاصة إذا امتد التصعيد إلى منشآت الطاقة أو الممرات البحرية.

كما يرجح دانييل يرجين أن تستمر الدول المنتجة في الاستثمار في البنية التحتية البديلة، بينما ستسعى الدول المستهلكة إلى تعزيز مخزوناتها الاستراتيجية وتقليل الاعتماد على مسار واحد لنقل النفط.

وفي المقابل، يرى بوب ماكنالي أن استقرار السوق لن يتحقق بصورة كاملة إلا بعودة الملاحة الطبيعية عبر مضيق هرمز، لأن البدائل الحالية، رغم أهميتها، لا تستطيع تعويض الطاقة الاستيعابية الكاملة للمضيق.

ويخلص الخبراء إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد استمرار التوازن بين وفرة الإنتاج من جهة، والمخاوف المتعلقة بأمن الإمدادات من جهة أخرى. فأسواق النفط لا تعتمد فقط على حجم البراميل المنتجة، بل أيضاً على سلامة الطرق التي تنقلها إلى العالم، وهو ما يجعل أمن الممرات البحرية عاملاً حاسماً في استقرار الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة.

اترك تعليقا