في رثاء الأستاذ محمد عبد المنعم

حين يرحل اصحاب الفهم الصحيح تزداد الحيرة

ليست مصيبة الموت في أن يغيب إنسان، وإنما في أن يغيب نموذج، وأن تنطفئ منارة، وأن يسكت صوتٌ كان إذا نطق أحيا العزائم، وإذا تكلم اشاع التفاؤل و الطمأنينة .

رحل أستاذنا… المربي الذي لم يكن يصنع أتباعًا مقلدين ، بل كان يصنع رجالًا احراراً مبدعين، كان يؤمن أن التربية ليست كلمات تُلقى، وإنما حياة تُعاش، وأن القدوة أبلغ من الخطب، وأن واجب الداعية أن يبشر بالخير .و ان مناخ الحرية هو الكفيل باكتشاف النابهين و ان تدريب الشباب على تحمل المسؤولية هو الضمان لاستمرار الدعوة.

عاصر الرعيل الأول فعرف الدعوة علنية و دعا إلى علنية الدعوة، و فهم انها دعوة حب للمجتمع ، لا استعلاء على المجتمع ، علم ان الحب في الله هو عنوان الاخوة و ليست العلاقات التنظيمية الجافة

عرفناه قويًا في الحق، لا يعرف المساومة على المبادئ، ولا يبيع يقينه بثمنٍ من الدنيا. كان شجاعًا، ولكن شجاعته لم تكن صخبًا ولا اندفاعًا، بل كانت شجاعة العالم الذي يرى الحق واضحًا فلا يتردد في حمله، وشجاعة المؤمن الذي يعلم أن الكلمة الصادقة قد تكلف صاحبها الكثير، لكنها لا تسقط أبدًا من ميزان الله.

وكان إذا تكلم شعرت أن البيان قد اختار لسانه. لم يكن يطلب إعجاب السامعين ببلاغته بل كان يبحث عن هداية القلوب بصدق عبارته.
خرجت كلماته من قلبٍ عامر بالإيمان، فدخلت القلوب بلا استئذان لأنها لم تكن كلماتٍ مصنوعة وإنما كانت مواقف نطقت قبل أن تتكلم الألفاظ.

ثم جاءت المحن… وهي الامتحان الذي يكشف معادن الرجال. فرأيناه كما عهدناه؛ ثابتًا لا تهزه العواصف، صابرًا لا تفتُّ في عضده الشدائد، مطمئنًا بوعد الله، راضيًا بقضائه، يعلم أن طريق الدعوات لا يُفرش بالورود، وأن ورثة الأنبياء لا بد أن يحملوا نصيبهم من الابتلاء.

لقد علّمنا أن الثبات ليس شعارًا يُرفع، بل عبادةٌ تُمارس.وأن الصبر ليس احتمال الألم فحسب، بل حسن الثقة بالله أثناء الألم.
وأن المربي الحق هو الذي يظل واقفًا حين يجلس الآخرون، ويظل ناطقًا بالحق حين يختار الناس السلامة.

لم يكن همه أن يُذكر اسمه، بل أن تبقى الفكرة، وأن تستمر الرسالة، وأن يحمل التلاميذ الأمانة من بعده. ولذلك فإن أعظم وفاءٍ له ليس أن نبكيه طويلًا، وإنما أن نحفظ العهد الذي عاش من أجله،وأن نصون المبادئ التي ربانا عليها،وأن نبقى أوفياء للحق الذي أفنى عمره في خدمته.

إن الرجال الكبار لا تنتهي حياتهم عند شواهد القبور، بل تبدأ مرحلة أخرى من الحياة في ذاكرة الأمم، وفي ضمائر تلاميذهم، وفي كل عمل صالح كان لهم فيه أثر، وفي كل نفس اهتدت بكلمة، أو استقامت بتوجيه، أو ثبتت بموقف.

نم قرير العين أيها المربي الكبير…

فقد أديت الأمانة، وبلغت الرسالة، وربيت أجيالًا ستشهد لك يوم تلقى ربك. وإن كانت الدنيا قد فقدت صوتك، فإن السماء – بإذن الله – قد استقبلت روحًا عاشت لله، وصبرت لله، وجاهدت بالكلمة والموقف لله.

رحمك الله رحمةً واسعة، وجعل علمك نورًا في قبرك، وتربيتك صدقةً جارية لا ينقطع ثوابها، وألحقك بالصالحين، وجمعنا بك في مستقر رحمته، غير مبدلين ولا مفتونين.

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.

& منقول من صفحة د احمد مطر

اترك تعليقا