“ماغا”.. كيف يسعى ترامب لإعادة تشكيل العالم وفق رؤيته؟
من شعار انتخابي إلى استراتيجية للنفوذ الدولي
- معاذ الجمال
- 19 يوليو، 2026
- تقارير وترجمات
- أخبار الرائد, أوروبا, إدارة دونالد ترامب, الاتحاد الأوروبي, الرسوم الجمركية
لم تعد عبارة “لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا” مجرد شعار انتخابي يزين القبعات الحمراء في التجمعات الجماهيرية للرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، بل تحولت خلال سنوات قليلة إلى فلسفة حكم متكاملة تعيد رسم أولويات السياسة الأمريكية في الداخل والخارج، فبعد أن بدأت كرسالة موجهة إلى الناخب الأمريكي الغاضب من العولمة والهجرة واتفاقيات التجارة الحرة، أصبحت اليوم إطارًا فكريًا يحكم القرارات الاقتصادية والدبلوماسية، وحتى توزيع المساعدات الخارجية، وفي أحدث تجليات هذا التحول، كشفت تقارير صحفية عن استعداد “إدارة ترامب” للإعلان عن برنامج منح جديد داخل أوروبا وخارجها يهدف إلى دعم المبادرات المتوافقة مع توجهات حركة “ماغا” (MAGA)، في خطوة تعكس انتقال المشروع من كونه برنامجًا انتخابيًا إلى أداة نفوذ سياسي ودبلوماسي، تسعى “واشنطن” من خلالها إلى التأثير في النقاشات الفكرية والسياسات العامة لدى حلفائها وشركائها.
وفي هذا السياق، ذكرت صحيفة “فاينانشال تايمز” أن إدارة الرئيس “دونالد ترامب” تستعد للكشف عن سلسلة من المنح المخصصة لدعم مبادرات تتماشى مع رؤية “ماغا” داخل أوروبا ومناطق أخرى من العالم، وذلك ضمن خطة أشمل لإعادة هيكلة أولويات المساعدات الخارجية الأمريكية، ووفقًا للتقرير، الذي استند إلى نسخة من إخطار أرسلته “وزارة الخارجية الأمريكية” إلى أعضاء في “الكونغرس”، تتضمن الخطة تخصيص “مليوني دولار” لتمويل برامج تهدف إلى “مكافحة الرقابة” التي ترى “واشنطن” أنها نتجت عن التشريعات الرقمية الأوروبية، وعلى رأسها قانون الخدمات الرقمية، وقانون الأسواق الرقمية، وتُعد هذه الخطوة مؤشرًا واضحًا على أن الإدارة الأمريكية لم تعد تنظر إلى المساعدات الخارجية باعتبارها أدوات تنموية فقط، بل كوسائل لتعزيز رؤيتها السياسية والدفاع عن نموذجها في حرية التعبير، والتكنولوجيا، والاقتصاد، في مواجهة ما تعتبره قيودًا تنظيمية متزايدة داخل “الاتحاد الأوروبي”.
من مجرد شعار إلى عقيدة سياسية.. كيف ولدت “ماغا”؟
ظهرت عبارة (Make America Great Again) “MAGA-ماغا”، لأول مرة في التاريخ السياسي الأمريكي خلال حملة الرئيس الجمهوري “رونالد ريغان” عام 1980 بصيغة مشابهة، إلا أن “دونالد ترامب” أعاد إحياءها رسميًا “عام 2015” عندما سجّلها كعلامة لحملته الرئاسية، لتصبح لاحقًا أكثر الشعارات السياسية تأثيرًا في “الولايات المتحدة” خلال العقود الأخيرة، لكن “ماغا” لم تكن مجرد شعار دعائي، بل حملت رؤية سياسية واقتصادية متكاملة تقوم على فكرة أن “الولايات المتحدة” فقدت جزءًا كبيرًا من قوتها بسبب العولمة، واتفاقيات التجارة الحرة، والهجرة غير الشرعية، وتوسع الالتزامات العسكرية الخارجية، وتراجع الصناعات المحلية، ومن هنا تبنى “ترامب” برنامجًا يركز على (إعادة الوظائف إلى الداخل الأمريكي)، و(تشجيع التصنيع الوطني)، و(فرض الرسوم الجمركية على الواردات)، و(إعادة التفاوض بشأن الاتفاقيات التجارية)، و(تشديد سياسات الهجرة)، و(تقليص الإنفاق الخارجي الذي لا يحقق – بحسب رؤيته – مصلحة مباشرة للمواطن الأمريكي).
ومع مرور الوقت، تجاوزت “ماغا” حدود الاقتصاد لتصبح هوية سياسية وثقافية تجمع قطاعًا واسعًا من المحافظين الأمريكيين الذين يرون أن المؤسسات التقليدية والإعلام والنخب السياسية ابتعدت عن أولويات المواطن العادي، لذلك أصبحت الحركة تمثل تيارًا واسعًا داخل “الحزب الجمهوري”، ولم تعد مرتبطة بشخص “ترامب” وحده، بل تحولت إلى مرجعية فكرية تؤثر في اختيار المرشحين، وصياغة البرامج الانتخابية، وحتى رسم السياسات الحكومية، كما ارتبطت “ماغا” بمفهوم “أمريكا أولًا”، الذي يجعل المصلحة الوطنية الأمريكية المعيار الأساسي في اتخاذ القرار، سواء تعلق الأمر بالتجارة أو الدفاع أو العلاقات الدولية أو الإنفاق الخارجي، ولذلك شهدت الإدارات المرتبطة بـ”ترامب” إعادة تقييم متكررة للتحالفات التقليدية، والاتفاقيات الدولية، والمساهمات المالية الأمريكية في المؤسسات متعددة الأطراف.
لماذا تستهدف إدارة ترامب أوروبا؟
تكشف المنح الجديدة التي تستعد “الإدارة الأمريكية” لإطلاقها عن تحول مهم في فلسفة المساعدات الخارجية، ففي السابق كانت هذه المساعدات تُوجه أساسًا إلى أهداف إنسانية أو تنموية أو أمنية، أما اليوم فتسعى “إدارة ترامب” إلى توظيفها أيضًا لخدمة معركة الأفكار والسياسات، ويأتي التركيز على “أوروبا” تحديدًا في ظل تصاعد الخلافات بين “واشنطن” و”بروكسل” بشأن تنظيم شركات التكنولوجيا الكبرى وحرية المحتوى الرقمي، فـ”الولايات المتحدة” وخاصة التيار المحافظ المقرب من “ترامب”، يرى أن قوانين “الاتحاد الأوروبي”، مثل قانون الخدمات الرقمية وقانون الأسواق الرقمية، تمنح الحكومات والجهات التنظيمية صلاحيات واسعة قد تؤدي إلى تقييد حرية التعبير، وفرض قيود على المنصات الرقمية الأمريكية العملاقة.
ومن هذا المنطلق، فإن تخصيص “مليوني دولار” لدعم مبادرات تهدف إلى مواجهة ما تصفه الإدارة الأمريكية بـ”الرقابة الرقمية” يعكس رغبة واضحة في التأثير داخل البيئة السياسية والفكرية الأوروبية، وليس فقط الدفاع عن مصالح الشركات الأمريكية، كما ينسجم ذلك مع رؤية أوسع تعتبر أن المنافسة العالمية لم تعد تقتصر على الاقتصاد أو القوة العسكرية، بل تشمل أيضًا النماذج التنظيمية والقيم السياسية التي تحكم الفضاء الرقمي والإعلامي، ويشير هذا التوجه كذلك إلى إعادة تعريف أدوات القوة الناعمة الأمريكية، فبدلاً من الاكتفاء بتمويل برامج التنمية أو الديمقراطية بالمفهوم التقليدي، تسعى الإدارة إلى دعم المبادرات التي تتبنى رؤيتها الفكرية، بما يعزز حضور التيارات المحافظة ويخلق شبكات من الشركاء المتوافقين مع فلسفة “ماغا” في عدد من الدول.
لماذا تمثل الحركة ركيزة استراتيجية لسياسات ترامب؟
تكمن الأهمية الاستراتيجية لحركة “ماغا” في أنها لم تعد مجرد برنامج انتخابي، بل أصبحت الإطار الذي تُبنى عليه معظم (سياسات ترامب الداخلية والخارجية)، ففي “الاقتصاد”، تُترجم إلى سياسات حمائية ورسوم جمركية تهدف إلى إعادة سلاسل الإنتاج إلى “الولايات المتحدة” وتقليل الاعتماد على الخارج، وفي “السياسة الخارجية”، تعني تقليص الالتزامات التي لا تحقق عائدًا مباشرًا لـ”واشنطن”، مع زيادة الضغط على الحلفاء لتحمل نصيب أكبر من الأعباء الأمنية والمالية، أما في “التكنولوجيا”، فتسعى الإدارة إلى حماية الشركات الأمريكية من القيود التنظيمية الأجنبية، وإبقاء “الولايات المتحدة” في صدارة “الابتكار الرقمي” و”الذكاء الاصطناعي”، وفي المجال “الثقافي والإعلامي”، أصبحت “ماغا” تدافع عن مفهوم تعتبره أكثر اتساعًا لحرية التعبير، وترفض ما تصفه بالتشريعات التي تمنح الحكومات قدرة أكبر على ضبط المحتوى الرقمي، ومن “الناحية الجيوسياسية”، تمثل الحركة محاولة لإعادة صياغة “النظام الدولي” بحيث تكون المصالح الأمريكية المباشرة هي نقطة الانطلاق لأي تحالف أو اتفاق أو تمويل خارجي.
لذلك.. فإن إعادة توجيه المساعدات الخارجية لخدمة المبادرات المتوافقة مع “ماغا” تعكس قناعة متزايدة داخل الإدارة بأن الصراع العالمي لم يعد يدور فقط حول النفوذ العسكري أو الاقتصادي، بل حول الأفكار، والقيم، والنماذج السياسية التي ستقود العالم في العقود المقبلة، وبهذا المعنى، فإن المنح الجديدة ليست مجرد برامج تمويل محدودة القيمة، وإنما تحمل دلالة رمزية وسياسية كبيرة، فهي تشير إلى أن “إدارة ترامب” تسعى إلى تدويل مشروع “ماغا” وتحويله من حركة أمريكية داخلية إلى أداة للتأثير في البيئات السياسية الخارجية، وإذا استمر هذا النهج، فقد نشهد خلال السنوات المقبلة مرحلة جديدة من المنافسة بين “الولايات المتحدة” وحلفائها الأوروبيين، ليس فقط حول التجارة أو الأمن، وإنما أيضًا حول تعريف الديمقراطية الرقمية، وحدود حرية التعبير، ودور الدولة في تنظيم الفضاء الإلكتروني، وهي قضايا مرشحة لأن تصبح من أبرز ساحات الصراع السياسي والفكري في النظام الدولي الجديد.
