هل يكتب الذكاء الاصطناعي مستقبل الاقتصاد أم يصنع أزمته المقبلة؟
مليارات تُنفق على البنية التحتية..فيما تتزايد تحذيرات ضعف الإنتاجية وحدوث فقاعة استثمارية
- معاذ علي
- 17 يوليو، 2026
- اقتصاد الرائد, تقارير وترجمات
- أحدث أخبار الذكاء الاصطناعي, اخبارجريدة الرائد, اقتصاد, الاقتصاد العالمي, الذكاء الأصطناعي, الذكاء الإصطناعي, الرقائق الإلكترونية, صناعة الرقائق الإلكترونية
لم تعد المعارك الدولية تُدار بقعقعة السلاح التقليدي وحدها؛ بل بات دبيب خوادم مراكز البيانات في ليل العواصم المظلم هو من يحدد موازين القوى الجديدة.. ففي أروقة صنع القرار من باريس إلى طوكيو، لم يعد “الذكاء الاصطناعي” مجرد أداة لتحسين محركات البحث أو كتابة النصوص، بل تحول إلى قضية أمن قومي توازي امتلاك السلاح النووي.
“الذكاء الاصطناعي السيادي”.. هو الشعار الجديد لعام 2026، حيث تتسابق الحكومات لإنفاق تريليونات الدولارات لبناء بنية تحتية رقمية محلية مستقلة تماماً عن وادي السيليكون الأمريكي، لكن خلف هذا البريق التكنولوجي الساحر، يدور سؤال اقتصادي حارق داخل دهاليز البنوك المركزية: هل هذا الإنفاق الرأسمالي الضخم هو محرك حقيقي لإنتاجية المستقبل، أم أنه مجرد فقاعة أصول هائلة تلتهم الموارد وتدفع الاقتصاد الكلي نحو حافة الهاوية؟
حمى الرقائق.. سباق التسلح الرقمي..
تتسابق الدول اليوم لامتلاك مراكز البيانات الخاصة بها ومعالجات الرقائق الأكثر تطوراً، مدفوعة برغبة عارمة في حماية بياناتها الوطنية وتأمين سيادتها المعرفية، فوفقاً لتقارير الاستثمار الصادرة عن “مؤسسة غارتنر” (وهي شركة أبحاث واستشارات أمريكية متعددة الجنسيات) و”صندوق النقد الدولي”، تضاعف الإنفاق الرأسمالي الحكومي وشبه الحكومي على البنية التحتية لـ”الحوسبة السحابية” و”الذكاء الاصطناعي” بنسبة تجاوزت 40% خلال العامين الماضيين، هذا التدفق الهائل للأموال، يضخ حيوية مؤقتة في قطاعات “التكنولوجيا” و”التشييد والطاقة”، مما يخلق طفرة نمو ظاهرة في الناتج المحلي الإجمالي قصير الأجل.
تبرز النماذج الأوروبية والآسيوية كأمثلة حية، حيث تُخصص مليارات اليورو والين لإنشاء تحالفات حوسبة فائقة محلية، ومع ذلك.. فإن هذا الإنفاق يعتمد بشكل كبير على الاقتراض العام أو الشراكات بين القطاعين العام والخاص التي تضمنها الحكومات، مما يضع أعباءً إضافية على الميزانيات العامة التي تعاني أصلاً من تبعات سنوات التضخم الطويلة، ويرى خبراء من “معهد بيترسون للاقتصاد الدولي” أن هذا التكالب على شراء الرقائق الإلكترونية من فئة (Nvidia H100) وما بعدها قد خلق طلباً اصطناعياً رفع من أسعار المدخلات التكنولوجية عالمياً، مما يهدد بتحويل “السيادة الرقمية” إلى ثقب أسود مالي يلتهم الميزانيات المخصصة للخدمات الأساسية كالصحة والتعليم.
وهم الإنتاجية..هل تترجم المليارات إلى نمو حقيقي؟
المعضلة الكبرى التي تواجه “السياسة النقدية” و”الاقتصاد الكلي” تكمن في ما يُعرف تاريخياً بـ “مفارقة الإنتاجية لـ “سولو”، و هي ظاهرة اقتصادية شهيرة لاحظها الاقتصادي “روبرت سولو”، وتتمثل في أن الاستثمار الهائل في التقنيات الجديدة غالباً ما يستغرق وقتاً طويلاً قبل أن ينعكس بوضوح في صورة زيادة فعلية في الإنتاجية العامة، حيث نرى التكنولوجيا في كل مكان باستثناء الإحصاءات الإنتاجية، حتى منتصف عام 2026.. تشير البيانات المجمعة من “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية” (OECD) إلى أن الارتفاع الهائل في الاستثمار في “الذكاء الاصطناعي” لم ينعكس بعد بشكل ملموس على نمو إنتاجية العمل في الاقتصادات المتقدمة.
كما أن أسباب هذه الفجوة تعود إلى أن تبني تقنيات “الذكاء الاصطناعي” يتطلب وقتاً طويلاً لإعادة هيكلة العمليات الإدارية وتدريب القوى العاملة، وهو ما يعني أن العائد على هذه الاستثمارات الضخمة قد يتأخر لسنوات، وفي الوقت نفسه، يتسبب هذا التدفق الرأسمالي في زيادة الضغوط التضخمية؛ فبناء مراكز البيانات الضخمة يستهلك كميات هائلة من “الطاقة الكهربائية” و”المياه لأغراض التبريد”، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة الصناعية في دول مثل “ألمانيا” و”الولايات المتحدة”، أدى هذا الارتفاع في التكاليف التشغيلية إلى الضغط على هوامش ربح القطاعات غير التكنولوجية.
شبح الفقاعة.. مخاطر سوء تخصيص رأس المال..
يرى كبار المحللين في “بنك الاحتياطي الفيدرالي” و”بنك إنجلترا”، أن الاندفاع الأعمى نحو تمويل “الذكاء الاصطناعي” يحمل في طياته بذور “أزمة مالية كلاسيكية” ناتجة عن “سوء تخصيص رأس المال”، فعندما تتدخل العوامل السياسية والجيوسياسية في توجيه الاستثمارات الاقتصادية، غالباً ما يتراجع دور الكفاءة المالية والجدوى الاقتصادية لصالح الاعتبارات الأمنية والدعائية، كما أن بناء مراكز بيانات محلية في دول لا تمتلك ميزة نسبية في إنتاج الطاقة الرخيصة أو الكفاءات الهندسية اللازمة قد ينتهي بإنشاء “أصول هامدة” أو غير مستغلة بالشكل الأمثل بمجرد ظهور أجيال تكنولوجية جديدة وأكثر كفاءة.
هذا السيناريو يعيد إلى الأذهان الطفرة التي حدثت في “أواخر تسعينيات القرن الماضي” (فقاعة دوت كوم)، حيث تسببت الاستثمارات المفرطة في “كابلات الألياف الضوئية غير المستخدمة” في موجة إفلاسات هزت الأسواق المالية، بالمقابل.. إذا لم تحقق هذه المشاريع السيادية العوائد المرجوة منها لتمويل الديون التي نشأت لشرائها، فإن البنوك والأسواق المالية قد تواجه صدمة ائتمانية قوية، مما يثبت أن محاولة شراء السيادة التكنولوجية بالديون قد تنتهي بفقدان السيادة الاقتصادية برمتها.