ستارمر يمنح عمدة لندن “صادق خان” لقب “لورد” مدي الحياة

عمدة ولورد .. تكريم تاريخي.. فمن هو؟

منح رئيس الوزراء البريطاني المنتهية ولايته، السير كير ستارمر، عمدة لندن صادق خان عضوية مجلس اللوردات مدى الحياة، ضمن قائمة تكريمات ضمت 26 شخصية جديدة قبل تسليم السلطة. سيحتفظ خان بمنصبه كعمدة للعاصمة بالتوازي مع عضويته في الغرفة العليا للبرلمان، في خطوة وصفت بأنها تكريم لإنجازاته في إدارة لندن.

سينضم السير صادق خان، المنتمي إلى حزب العمال، إلى المقاعد الحمراء في مجلس اللوردات، إلى جانب السير كريس وورمالد، الأمين السابق لمجلس الوزراء الذي أقاله السير كير في وقت سابق من هذا العام، والسير براين ليفسون، القاضي المتقاعد الذي ترأس التحقيق الخاص بمعايير الصحافة عام 2012.

وأكد مصدر حكومي ترشيح السير صادق خان، مشيدًا به باعتباره “عمدةً غيّر لندن إلى الأفضل”.

وقال المصدر إن خان “تمكن من خفض معدلات الجرائم العنيفة إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق، وتحسين جودة الهواء في العاصمة، وإنجاز مشروع خط إليزابيث، وإعادة تنشيط بناء مساكن المجالس المحلية في لندن”.

من هو “صادق خان” الذي نال هذا اللقب ؟

النشأة والأصول العائلية
ولد صادق أمان خان في العاصمة البريطانية لندن عام 1970، وينحدر من عائلة مسلمة مكافحة هاجرت من باكستان إلى المملكة المتحدة في ستينيات القرن الماضي. نشأ خان رفقة أشقائه السبعة في شقة تابعة للإسكان الحكومي في حي “توتينغ” جنوب لندن، حيث عمل والده سائقاً لحافلة نقل عام، بينما عملت والدته في مهنة الخياطة، وهي النشأة التي صرح كثيراً بأنها شكلت وعيه السياسي والاجتماعي.
التعليم وبداية المسيرة المهنية
تلقى خان تعليمه في المدارس الحكومية المحلية بالمنطقة، ثم التحق بجامعة شمال لندن ليتخصص في دراسة القانون. بعد تخرجه، دخل معترك العمل المهني وأسس شركة محاماة ناجحة، حيث تخصص على مدار نحو اثني عشر عاماً في قضايا حقوق الإنسان، والحريات المدنية، والتمييز، ومواجهة التجاوزات القانونية، محققاً سمعة قانونية مرموقة قبل تفرغه التام للعمل العام.
العمل البرلماني والمناصب الوزارية
بدأت مسيرته السياسية الرسمية مبكراً بانتخابه عضاً في المجلس المحلي لمنطقة “واندزوورث” من عام 1994 وحتى 2006. وجاءت النقلة الكبرى في عام 2005 عندما انتُخب عضواً في مجلس العموم البريطاني (البرلمان) عن حزب العمال. وفي ظل حكومة غوردون براون، عُين وزيراً للدولة لشؤون المجتمعات عام 2008، ثم وزيراً للنقل عام 2009، ليدخل التاريخ كأول وزير مسلم يحضر اجتماعات مجلس الوزراء البريطاني المصغر (الكبينت).
قيادة عاصمة الضباب (عمدة لندن)
في عام 2016، حقق صادق خان فوزاً مدوياً في انتخابات بلدية لندن، ليصبح أول مسلم يتولى رئاسة بلدية عاصمة غربية كبرى في التاريخ الحديث. وقد نجح في نيل ثقة سكان العاصمة لثلاث دورات متتالية، كان آخرها فوزه التاريخي بولاية ثالثة في مايو 2024. وتركزت سياسته في إدارة المدينة على تعزيز قطاع النقل والمواصلات، وحماية البيئة والمناخ، وتوفير السكن الاجتماعي، فضلاً عن تصديه لسياسات التمييز ودفاعه المستمر عن التعددية الثقافية.
أبرز المواقف السياسية الدولية لصادق خان:
أبرز المواقف السياسية الدولية
يتميز صادق خان باتخاذ مواقف بارزة وجريئة على الساحة الدولية، وغالباً ما كانت تضعه في مواجهة مباشرة مع قيادة حزبه (حزب العمال) أو الحكومات البريطانية المتعاقبة:
  • دعم القضية الفلسطينية: يُعد خان من أبرز الأصوات السياسية البريطانية المطالبة بالسلام في الشرق الأوسط. وقد خرج عن الخط الرسمي لحزب العمال في مناسبات عدة؛ إذ كان من أوائل السياسيين البريطانيين البارزين الذين طالبوا بوقف فوري لإطلاق النار في غزة، ودعا الحكومة البريطانية علناً إلى إيقاف مبيعات الأسلحة لإسرائيل، كما وصف علناً ما يحدث في غزة بأنه “إبادة جماعية” بناءً على التقارير الأممية، وضغط باتجاه الاعتراف الفوري بدولة فلسطين. [1, 2, 3, 4, 5]
  • رفض السياسات اليمينية والمواجهة مع ترامب: دخل في صدام كلامي شهير وتاريخي مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال ولايته الأولى؛ حيث انتقد خان قرار ترامب بحظر دخول مواطني عدة دول إسلامية إلى أمريكا، ورفض خان استقباله رسميًا في لندن، مما دفع ترامب لمهاجمته مراراً عبر منصات التواصل.
  • مناهضة “البريكست” (الخروج من الاتحاد الأوروبي): عارض خان بشدة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وحذر مراراً من التداعيات الاقتصادية السلبية لهذا القرار على العاصمة لندن، وظل يطالب بتعزيز العلاقات التجارية والسياسية الوثيقة مع الدول الأوروبية. 
  • الريادة المناخية العالمية: يشغل منصب رئيس مشارك لشبكة (C40) للمدن القيادية في مجال المناخ. وحصلت لندن تحت قيادته على جوائز دولية (مثل جائزة لي كوان يو للمدن العالمية لعام 2026) تقديراً لدمجه شبكات النقل بالاستدامة البيئية. 
أبرز التحديات التي واجهها في إدارة لندن
خلال العقد الماضي من إدارته للندن، واجه صادق خان ملفات داخلية معقدة أثارت الكثير من الجدل والانتقادات من خصومه السياسيين:
  • أزمة السكن الفاخر والاجتماعي: تواجه العاصمة لندن أزمة خانقة في توفر السكن بأسعار معقولة. ويتعرض خان لانتقادات مستمرة من المعارضة وحتى من بعض رؤساء البلديات الفرعية بسبب الإخفاق في تحقيق المستهدفات الطموحة لبناء البيوت الاجتماعية والميسرة قياساً بحجم الطلب الهائل.  
  • مكافحة التلوث وجدل منطقة (ULEZ): واجه معارضة شرسة واحتجاجات واسعة عند توسيعه لنطاق “منطقة الانبعاثات الفائقة الانخفاض” (ULEZ) لتشمل أطراف لندن، وهو نظام يفرض رسوماً يومية على السيارات القديمة والملوثة. ورغم نجاح الخطة في خفض التلوث لمستويات قياسية، إلا أنها أثارت غضب أصحاب الدخل المحدود. 
  • معدلات الجريمة والأمن: يتهمه خصومه (خاصة من حزب المحافظين) بالفشل في السيطرة على جرائم الطعن بالسكاكين والعنف بين الشباب في شوارع لندن. ويرد خان دائماً بأن سياسات التقشف التي فرضتها الحكومات المركزية السابقة هي التي تسببت في نقص ميزانية الشرطة وأعداد أفراد الأمن.  
  • التمويل الذاتي لشبكة المواصلات: واجهت هيئة النقل في لندن (TfL) أزمة مالية حادة، لا سيما بعد تداعيات جائحة كورونا، مما جعله في تفاوض وضغط مستمر مع الحكومة المركزية لتأمين حزم إنقاذ مالي تضمن استمرار تجميد أسعار التذاكر وتحديث الشبكة.
التكريم وعضوية مجلس اللوردات
تقديراً لمسيرته الطويلة وإنجازاته في إدارة العاصمة البريطانية، حظي صادق خان بتكريم رفيع من رئيس الوزراء كير ستارمر، الذي منحه لقب “سير” وعضوية مجلس اللوردات مدى الحياة ضمن قائمة شرفية خاصة. وتتيح له هذه العضوية الحالية الجمع بين مهامه التنفيذية كعمدة للندن، ودوره التشريعي والسياسي في الغرفة العليا والرقابية للبرلمان البريطاني.
إن منح السير صادق خان عضوية مجلس اللوردات مدى الحياة يتجاوز كونه تكريماً تقليدياً لعمدة لندن، ليكون بمثابة شهادة ثقة رسمية في قيادته وإنجازاته على مدار عقد من الزمان. ومع انتقاله إلى الغرفة العليا للبرلمان، يرسخ خان مكانته كأحد أكثر الرموز السياسية تأثيراً في بريطانيا المعاصرة، جامعاً بين إدارة عاصمة الضباب والمساهمة في صياغة السياسات العليا للبلاد.