الكمبيوتر الكمي يغير موازين القوى الكبرى
الحوسبة الكمية تعيد تشكيل خارطة النفوذ العالمي
- dr-naga
- 15 يوليو، 2026
- تقارير وترجمات
- الحوسبة الكمية, النفوذ العلمي العالمي, موازين القوى الكبرى
الرائد: إذا كانت الرقائق الإلكترونية هي عقل الثورة الرقمية الحالية، فإن الحوسبة الكمية قد تمثل عقل الثورة التكنولوجية المقبلة. فالعالم يشهد سباقًا محمومًا بين القوى الكبرى لتطوير حواسيب تعتمد على مبادئ ميكانيكا الكم، قادرة على تنفيذ عمليات حسابية يعجز عنها أقوى الحواسيب التقليدية، وهو ما قد يحدث تحولًا جذريًا في الاقتصاد والعلوم والدفاع والطب والطاقة.
بدأت الفكرة نظريًا في ثمانينيات القرن الماضي عندما اقترح الفيزيائي الأمريكي ريتشارد فاينمان إمكانية استخدام قوانين ميكانيكا الكم لبناء حواسيب تتعامل مع المشكلات المعقدة بطريقة مختلفة عن الحوسبة التقليدية. ثم وضع الفيزيائي البريطاني ديفيد دويتش الأسس النظرية للحاسوب الكمي الشامل، قبل أن يتحول المجال إلى أحد أكثر ميادين البحث العلمي استقطابًا للاستثمارات.
ويرى جون بريسكيل، أستاذ الفيزياء النظرية في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، أن العالم دخل بالفعل عصر “الحوسبة الكمية متوسطة الحجم”، وهي مرحلة انتقالية ستسبق إنتاج أجهزة عملية واسعة الاستخدام.
وتستثمر الولايات المتحدة مليارات الدولارات في هذا المجال عبر الجامعات والشركات، بينما وضعت الصين الحوسبة الكمية ضمن أولوياتها الوطنية، وأطلقت برامج واسعة لتطوير الاتصالات الكمية والحوسبة المتقدمة. كما كثف الاتحاد الأوروبي واليابان وكندا وأستراليا استثماراتهم في هذا القطاع، إدراكًا لأهميته الإستراتيجية.
ويرى ميشيل موسكا، أحد رواد الحوسبة الكمية بجامعة واترلو الكندية، أن الحاسوب الكمي لن يحل محل الحاسوب التقليدي، لكنه سيصبح أداة لا غنى عنها في حل المشكلات التي تتطلب قدرات حسابية هائلة.
وتشير تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن التطبيقات المحتملة للحوسبة الكمية تمتد إلى اكتشاف الأدوية الجديدة، وتصميم المواد المتقدمة، وتحسين شبكات النقل، وتطوير البطاريات، وإدارة الأنظمة المالية، والتنبؤ بالمناخ.
لكن أكثر المجالات حساسية يتمثل في التشفير الإلكتروني، إذ يخشى خبراء الأمن الرقمي من أن تتمكن الحواسيب الكمية مستقبلًا من كسر بعض أنظمة التشفير المستخدمة حاليًا في البنوك والحكومات والاتصالات.
ولهذا يعمل المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا (NIST) على تطوير معايير جديدة لما يعرف بـ”التشفير المقاوم للحوسبة الكمية”، بهدف حماية البيانات قبل وصول هذه التقنية إلى مرحلة النضج التجاري.
ويرى سكوت آرونسون، أستاذ علوم الحاسوب بجامعة تكساس، أن الحوسبة الكمية ليست حلًا سحريًا لجميع المشكلات، لكنها قد تغير قواعد اللعبة في مجالات محددة تعتمد على الحسابات فائقة التعقيد.
كما أصبحت المنافسة على الكفاءات العلمية في الفيزياء والرياضيات والهندسة الكمية جزءًا من التنافس الدولي، حيث تتسابق الجامعات ومراكز الأبحاث على استقطاب الباحثين وتطوير برامج أكاديمية متخصصة.
وتؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD أن الحوسبة الكمية ستؤثر في قطاعات واسعة، من الصناعات الدوائية إلى الخدمات المالية والطاقة، لكنها تتطلب استثمارات طويلة الأجل وتعاونًا بين الحكومات والقطاع الخاص.
وفي الجانب الاقتصادي، تشير تقديرات مجموعة بوسطن الاستشارية BCG إلى أن القيمة السوقية للتطبيقات المرتبطة بالحوسبة الكمية قد تصل إلى مئات المليارات من الدولارات خلال العقود المقبلة، مع توسع استخدامها في الصناعة والخدمات.
ويرى كريستوفر مونرو، أستاذ الفيزياء بجامعة ديوك وأحد رواد الحوسبة الكمية، أن التحدي الأكبر لم يعد إثبات إمكانية بناء الحواسيب الكمية، بل تحسين استقرارها وتقليل أخطائها وجعلها قابلة للاستخدام التجاري الواسع.
ويتوقع خبراء مجلة Nature ومجلة Science أن يشهد العقد القادم تسارعًا في تطوير الأجهزة والبرمجيات الكمية، وأن تدخل هذه التقنية تدريجيًا إلى قطاعات الصناعة والطب والطاقة والدفاع.
ويجمع الباحثون على أن الحوسبة الكمية ستكون إحدى أهم أدوات المنافسة العالمية في القرن الحادي والعشرين، لأنها لا تمثل مجرد تطور في سرعة الحواسيب، بل تغييرًا جذريًا في طريقة معالجة المعلومات نفسها. والدولة التي تحقق الريادة في هذا المجال قد تمتلك ميزة علمية واقتصادية وأمنية تمتد لعقود.
المصادر:
المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا NIST، منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، المنتدى الاقتصادي العالمي WEF، معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا Caltech، جامعة واترلو، جامعة تكساس، جامعة ديوك، مجلة Nature، مجلة Science، وكالة رويترز، فايننشال تايمز، مجموعة بوسطن الاستشارية BCG.
