«بيان قصير لعالم مضطرب : قراءة إستراتيجية في قمة الناتو بأنقرة»
د حاتم عزام يكتب
- dr-naga
- 14 يوليو، 2026
- مقالات وتحليلات
- أوروبا, الولايات المتحدة, قمة أنقرة, قمة الناتو بأنقرة, قمة الناتو في تركيا
وُلد هذا التحالف في أعقاب مباشر للحرب العالمية الثانية، حين وجدت أوروبا الغربية نفسها منهكة اقتصادياً وعسكرياً، بينما كان الاتحاد السوفييتي يوسّع نفوذه ويُحكم قبضته على أوروبا الشرقية بأكملها عبر أنظمة شيوعية موالية له. في هذا السياق، وقّعت اثنتا عشرة دولة – الولايات المتحدة وكندا إلى جانب عشر دول أوروبية غربية – معاهدة واشنطن في الرابع من أبريل 1949، لتؤسس بذلك حلفاً دفاعياً جماعياً هدفه المعلن ردع أي عدوان سوفييتي محتمل على أوروبا الغربية، ومنع تكرار سيناريو الحربين العالميتين اللتين بدأتا في القارة الأوروبية وجرّتا العالم بأسره إليهما.
والناتو، بحسب طبيعته القانونية والعسكرية، هو تحالف دفاعي بحت لا هجومي – أي أنه لا يُنشئ التزاماً بشنّ حرب، بل التزاماً بالرد الجماعي في حال تعرّض أحد أعضائه لاعتداء مسلح. هذا الطابع الدفاعي محوري لفهم الحلف: فهو لم يُصمَّم كأداة توسّع، بل كضمانة تُبقي أي معتدٍ محتمل أمام معادلة واضحة: مهاجمة دولة صغيرة عضو في الحلف تعني مواجهة القوة العسكرية والاقتصادية المجتمعة لكل الأعضاء، وعلى رأسها الولايات المتحدة.
ولم يكن الدور الأمريكي في تأسيس الحلف وقيادته لاحقاً أمراً عابراً، بل جوهر الفكرة برمتها. فبعد الحرب العالمية الثانية، كانت أوروبا الغربية غير قادرة مادياً وعسكرياً على ردع الاتحاد السوفييتي بمفردها، بينما خرجت الولايات المتحدة من الحرب بوصفها القوة الاقتصادية والعسكرية والنووية الأعظم عالمياً. وجدت واشنطن في حماية أوروبا الغربية مصلحة استراتيجية مباشرة: منع سيطرة سوفييتية على القارة الأوروبية بأكملها، وضمان بقاء أوروبا حليفاً اقتصادياً وسياسياً ضمن المعسكر الغربي في مواجهة الشيوعية، إضافة إلى تثبيت الوجود العسكري الأمريكي المباشر في القارة كخط دفاع أمامي يبعد أي مواجهة مستقبلية عن الأراضي الأمريكية نفسها. من هنا، أصبحت الضمانة الأمريكية – النووية والتقليدية معاً – هي العمود الفقري الفعلي لمصداقية الحلف طوال العقود التالية، وهو بالضبط ما يجعل أي تشكيك أمريكي في هذا الالتزام، كما يحدث اليوم، مسألة تهز الحلف من أساسه لا من أطرافه.
على ماذا يقوم الحلف اليوم؟ وكيف يُموَّل؟
جوهر الحلف يتلخص في مادة واحدة محورية: المادة الخامسة من معاهدة واشنطن، التي تنص على أن الاعتداء المسلح على أي عضو من أعضاء الحلف يُعامل كاعتداء على الجميع، بما يُلزم بقية الأعضاء بالرد الجماعي. لم تُفعَّل هذه المادة عملياً سوى مرة واحدة في تاريخ الحلف كاملاً: بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة نفسها – وهي مفارقة لافتة، إذ إن المرة الوحيدة التي احتاجت فيها القوة الأعظم المؤسِّسة للحلف إلى تفعيل بند الدفاع الجماعي كانت لصالحها هي، لا لصالح أحد الأعضاء الأوروبيين الأصغر الذين صُمم الحلف أصلاً لحمايتهم.
—
مقتطف من ورقة تحليلة أعددتها «بيان قصير لعالم مضطرب : قراءة إستراتيچية في قمة الناتو بأنقرة»
