الأمن أم الحرية؟ الأخ الأكبر يوسع رقابته لحماية الكيان الصهيوني
مع تصاعد الاحتجاجات المرتبطة بالحرب
- السيد التيجاني
- 12 يوليو، 2026
- تقارير وترجمات
- أوروبا, احتجاجات أمريكية, الكيان الصهيوني, جامعة كولومبيا, حقوق الإنسان, غزة
منذ أن نشر الكاتب البريطاني جورج أورويل روايته 1984 عام 1949، أصبحت عبارة “الأخ الأكبر يراقبك” رمزًا للدولة التي تراقب مواطنيها وتلاحق أفكارهم وسلوكهم. وبعد أكثر من سبعين عامًا، عاد هذا المفهوم إلى واجهة النقاش السياسي والقانوني في الولايات المتحدة وأوروبا، مع تصاعد الاحتجاجات المرتبطة بالحرب في غزة، وما رافقها من إجراءات أمنية وقرارات أثارت جدلًا واسعًا بشأن حدود حرية التعبير.
ويرى باحثون في الحريات المدنية أن الحكومات الغربية تواجه معادلة معقدة بين حماية الأمن العام ومكافحة جرائم الكراهية من جهة، والحفاظ على الحقوق الدستورية في التعبير والتجمع السلمي من جهة أخرى. إلا أن منظمات حقوقية تؤكد أن هذه المعادلة اختلت في عدد من الحالات، وأن الإجراءات الأمنية تجاوزت في بعض الأحيان حدود الضرورة والتناسب.
الجامعات الأمريكية.. ساحات احتجاج ومواجهة
تحولت الجامعات الأمريكية منذ عام 2024 إلى بؤرة للاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين، حيث شهدت جامعات مثل كولومبيا وهارفارد وكاليفورنيا اعتصامات واسعة للمطالبة بوقف التعاون الأكاديمي والاستثمارات المرتبطة بإسرائيل.
وتدخلت قوات الشرطة في عدد من الجامعات لفض الاعتصامات، وأسفرت العمليات عن مئات الاعتقالات، بينما اتخذت إدارات جامعية إجراءات تأديبية بحق طلاب وأعضاء هيئة تدريس.
ويرى بن ويزنر، مدير مشروع حرية التعبير والخصوصية في الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية (ACLU)، أن اللجوء إلى الإجراءات الأمنية داخل الجامعات يثير مخاوف حقيقية بشأن مستقبل حرية التعبير، محذرًا من أن توسيع الرقابة على النشاط السياسي قد يخلق مناخًا من الخوف يمنع الطلاب من المشاركة في النقاش العام.
أوروبا.. تشديد أمني يثير الانتقادات
وفي أوروبا، اتخذت عدة حكومات إجراءات لتقييد بعض التظاهرات أو فرض شروط صارمة عليها، مبررة ذلك بالحفاظ على النظام العام ومنع التحريض على الكراهية والعنف.
وشهدت المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا حالات منع أو تقييد لبعض المسيرات، كما خضع عدد من النشطاء لتحقيقات جنائية بسبب شعارات أو منشورات اعتبرتها السلطات مخالفة للقوانين المحلية.
وتقول الحكومات الأوروبية إن هذه الإجراءات تستهدف الأفعال التي قد تشكل تحريضًا أو انتهاكًا للقانون، وليس مجرد إبداء الرأي السياسي، بينما ترى منظمات حقوق الإنسان أن التطبيق العملي لهذه القوانين اتسم أحيانًا بالاتساع والغموض.
انتقادات حقوقية متصاعدة
انتقدت منظمة هيومن رايتس ووتش استخدام بعض الحكومات الأوروبية سلطاتها الأمنية لتقييد الاحتجاجات السلمية، مؤكدة أن القيود ينبغي أن تكون استثنائية ومتناسبة مع المخاطر الفعلية.
كما اعتبرت منظمة العفو الدولية أن فرض قيود واسعة على المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين يهدد أحد أهم الحقوق الأساسية التي تكفلها المواثيق الدولية، وهو الحق في حرية التعبير والتجمع السلمي.
أما الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية، فقد حذر من توسع التعاون بين بعض الجامعات وجهات إنفاذ القانون، معتبرًا أن مراقبة النشاط الطلابي قد تترك آثارًا طويلة المدى على المناخ الأكاديمي.
خبراء القانون.. مخاطر “التأثير المُبرِّد”
تصف المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحرية الرأي والتعبير إيرين خان حرية التعبير بأنها حجر الأساس لأي مجتمع ديمقراطي، مؤكدة أن تقييدها يجب أن يظل استثناءً محدودًا يخضع لرقابة قضائية صارمة.
ويشير خبراء في مركز برينان للعدالة إلى مفهوم يعرف باسم “التأثير المُبرِّد” (Chilling Effect)، ويقصد به إحجام الأفراد عن ممارسة حقوقهم خوفًا من الملاحقة القانونية أو فقدان وظائفهم أو تعرضهم للعقوبات الإدارية.
ويرى المدير التنفيذي السابق لمنظمة هيومن رايتس ووتش كينيث روث أن استخدام تهم فضفاضة ضد المحتجين قد يؤدي إلى إضعاف الثقة بالمؤسسات الديمقراطية، ويمنح انطباعًا بأن بعض الآراء السياسية تخضع لمعاملة مختلفة عن غيرها.
الموقف الحكومي
في المقابل، تؤكد الحكومات الغربية أن إجراءاتها لا تستهدف حرية التعبير في حد ذاتها، وإنما تركز على منع التحريض على العنف وخطاب الكراهية وحماية الأمن العام.
وخلال جلسات استماع في الكونغرس الأمريكي، شدد مسؤولون ومشرعون على ضرورة ضمان سلامة الطلاب ومنع أي أعمال تهديد أو ترهيب داخل الجامعات، معتبرين أن السلطات ملزمة بالتدخل عندما تتحول الاحتجاجات إلى أعمال تعطل الدراسة أو تهدد السلامة العامة.
كما تؤكد حكومات أوروبية أن قوانينها الخاصة بمكافحة معاداة السامية أو الإرهاب تطبق على جميع المواطنين دون تمييز، وأن القضاء المستقل هو الجهة التي تفصل في مدى قانونية تلك الإجراءات.
ردود الفعل الدولية
أعرب عدد من المقررين الخاصين بالأمم المتحدة عن قلقهم من استخدام القوة المفرطة ضد بعض الاحتجاجات السلمية، ودعوا الحكومات إلى احترام التزاماتها الدولية المتعلقة بحرية الرأي والتعبير والتجمع.
كما طالبت منظمات حقوقية دولية بإجراء مراجعات مستقلة لعمليات الاعتقال، وضمان عدم استخدام قوانين الأمن القومي بصورة تؤدي إلى تقييد الحقوق الأساسية.
التأثيرات السياسية والاجتماعية
يرى مراقبون أن الجدل الدائر لم يعد يقتصر على الحرب في غزة، بل أصبح نقاشًا أوسع حول مستقبل الديمقراطية الليبرالية في الغرب.
فقد ساهمت هذه التطورات في زيادة الاستقطاب السياسي، كما دفعت العديد من الأكاديميين والصحفيين والناشطين إلى إعادة طرح أسئلة قديمة حول حدود حرية التعبير، ودور أجهزة الأمن، وعلاقة الحكومات بمنصات التواصل الاجتماعي.
وفي الوقت نفسه، يرى آخرون أن تصاعد خطاب الكراهية والتوترات المجتمعية يفرض على الحكومات مسؤولية التدخل لمنع العنف وحماية جميع مكونات المجتمع، وهو ما يجعل تحقيق التوازن بين الأمن والحريات تحديًا مستمرًا.
تكشف التطورات الأخيرة أن الجدل حول الحريات المدنية في الغرب دخل مرحلة جديدة تتجاوز حدود الاحتجاجات نفسها، ليطرح تساؤلات أعمق حول العلاقة بين الدولة والمواطن، وحدود الرقابة، ودور المؤسسات الأمنية في المجتمعات الديمقراطية.
وبينما ترى الحكومات أن إجراءاتها ضرورية لحماية الأمن والنظام العام، تؤكد منظمات حقوق الإنسان أن أي توسع في المراقبة أو تقييد الاحتجاجات السلمية قد يقوض المبادئ التي تقوم عليها الديمقراطيات الغربية نفسها. ويبقى هذا الجدل مرشحًا للاستمرار مع استمرار الصراع في الشرق الأوسط وتداعياته السياسية داخل الولايات المتحدة وأوروبا.
