إقصاء “الصحوة” ومسار النفوذ الإيراني

كيف مهد غياب الرموز السُنّية للتغلغل الشيعي؟

الرائد: في ظل التحولات الجيوسياسية والفكرية التي تشهدها المنطقة، يبرز نقاش فكري وسياسي عميق حول الأسباب الحقيقية وراء اتساع رقعة الافتتان بالتشيع والمشروع الإيراني في بعض الأوساط السنية. وتتمحور أطروحة فكرية حول أن الذين يتحملون الوزر الأعظم في هذا الافتتان هم من سعوا بكل إمكاناتهم السياسية والإعلامية والأمنية في تغييب النموذج السني الصحيح، ومحاربة رموزه ومشايخه، وتشويه سمعتهم، مقابل دعم وتصدير نماذج سنية مشوهة لا تخدم الواقع التدافعي للأمة.

تاريخياً:  لم يكن الصراع السني الشيعي مجرد خلافات فقهية، بل كان يحمل أبعاداً سياسية منذ بداياته التأسيسية.

ومع قيام الثورة الإيرانية عام 1979، تحول المشروع الإيراني من دولة عادية إلى مشروع إقليمي يسعى لتصدير ثورته والتغلغل في العمق العربي والإسلامي. وقد استغل هذا المشروع حالات الفراغ السياسي والفكري التي نتجت عن قمع التيارات الإسلامية السنية، خاصة تيار الصحوة الإسلامية الذي برز في الثمانينيات والتسعينيات. فبدلاً من مواجهة المشروع الإيراني بفكر سني معتدل وحصين، لجأت بعض الأنظمة إلى محاربة رموز هذا التيار، مما أدى إلى تهميش الخطاب السني الجامع، وفتح الباب أمام الخطاب الشيعي السياسي لملء هذا الفراغ.

الفكرة والواقع:
تفند الأطروحة المطروحة أن تغييب النموذج السني الصحيح لم يكن مجرد قرار أمني، بل كان مشروعاً متكاملاً شمل تشويه تاريخ رموز الصحوة وسمعتهم، ونقض مشاريعهم الفكرية والسياسية. وفي الوقت ذاته، تم دعم وتصدير نماذج سنية مشوهة أو متطرفة، مما أعطى ذريعة للمشروع الإيراني لتقديم نفسه كبديل أو كحاضن للمعارضة، أو استغلال حالة التيه الفكري لدى بعض الشباب. هذا الواقع التدافعي الكبير يتطلب نموذجاً سنياً صحيحاً يعبر عن هوية الأمة، لكن تغييبه جعل البعض يقع في فخ الافتتان بالتشيع أو الانبهار بالقوة الناعمة الإيرانية.

تعليقات المحللين ومراكز الأبحاث والسياسيين:
في سياق هذا التحليل، يرى الشيخ أحمد السيد، أحد الدعاة والمفكرين الإسلاميين، أن الذين يتحملون الوزر الأعظم في الافتتان بالتشيع والمشروع الإيراني هم بالتحديد من سعوا في تغييب النموذج السني الصحيح ومحاربة رموزه.

ويشير إلى أن هذا التغييب المنهجي هو من خلق البيئة الخصبة لاختراق المشروع الإيراني.

ومن جانبه، يؤكد مركز الجزيرة للدراسات في تحليلاته أن المشروع الإيراني يمتلك أطماعاً ومصالح ونفوذاً متصاعداً يهدف إلى ملء الفراغ الناشئ في المنطقة .

ويوضح المركز أن هذا الفراغ لم يكن وليد الصدفة، بل نتج عن سياسات أدت إلى تقهقر القوى السنية الفاعلة، مما سمح لإيران بالتدخل تحت إكراهات التهديد أو المراوغة.

أما المفكر والكاتب الاستراتيجي فهمي هويدي، فقد تناول في كتاباته ومقالاته، مثل كتابه “المشكلة الشيعية” و”إيران من الداخل”، كيف أن بعض الأنظمة العربية هي من مهدت الطريق للمشروع الإيراني عبر محاربة المعارضين الإسلاميين السنة، معتبراً أن هذا النهج أضعف الجبهة الداخلية وخدم الأطماع التوسعية .

كما تؤكد رابطة العلماء السوريين في بياناتها أن مواجهة المشروع الإيراني الصفوي في المنطقة لا تعني بأي حال من الأحوال الانزلاق إلى المشروع الصهيوني أو مشروع الثورة المضادة، بل يجب التركيز على بناء نموذج سني جامع وقوي يواجه هذا التوسع دون التفريط في ثوابت الأمة.

ويتفق الباحث والمحلل السياسي د. محمد المختار الشنقيطي مع هذا الطرح، حيث يرى في مقالاته أن السنة والشيعة يعيشان حالة من التواصل والقطيعة، وأن المشروع الإيراني يستغل أي فراغ سياسي أو فكري ليوسع نفوذه، مشدداً على ضرورة وجود نموذج سني صحيح وفعال لقطع الطريق على هذا التغلغل.

التوقعات المستقبلية:
مستقبلاً، تشير المعطيات إلى أن استمرار سياسات تغييب النموذج السني المعتدل سيؤدي حتماً إلى مزيد من الاختراق الفكري والسياسي من قبل المشروع الإيراني، خاصة في المناطق التي تعاني من هشاشة أمنية أو فراغ سياسي. وإذا لم يتم إعادة الاعتبار للخطاب السني الجامع الذي يحترم التعددية ويحارب التطرف، فإن موجات جديدة من الافتتان بالتشيع قد تظهر، ليس بدوافع عقائدية بحتة، بل بدوافع سياسية بحتة مرتبطة بالانبهار بالقوة الإقليمية الإيرانية.

في المقابل، يُتوقع أن تدرك بعض القوى الإقليمية ضرورة إعادة هندسة العلاقة مع التيارات الإسلامية السنية المعتدلة، كشرط أساسي لمواجهة المشروع الإيراني، لأن المواجهة الأمنية وحدها لن تكون كافية لملء الفراغ الفكري الذي يتركه تغييب العلماء والرموز.

المراجع:
1. منشورات وتصريحات الشيخ أحمد السيد حول تغييب النموذج السني والافتتان بالتشيع.
2. تقارير وتحليلات مركز الجزيرة للدراسات حول المشروع الإيراني وملء الفراغ في المنطقة.
3. كتابات ومقالات المفكر فهمي هويدي في “المشكلة الشيعية” و”إيران من الداخل” حول دور الأنظمة في تمهيد الطريق للمشروع الإيراني.
4. بيانات رابطة العلماء السوريين حول معايير مواجهة المشروع الإيراني الصفوي.
5. مقالات وتحليلات د. محمد المختار الشنقيطي حول العلاقة بين السنة والشيعة واستغلال المشروع الإيراني للفراغ.
6. مركز “فيكر” للدراسات حول جذور وأبعاد الصراع السني الشيعي.
7. المعهد المصري للدراسات حول إيران والمقاومة الفلسطينية والبحث عن حلفاء. مستفاد من الذكاء الاصطناعي

اترك تعليقا