رسائل مهمة كرست استمرار النفوذ الإيراني في العراق

مراسم تشييع خامنئي في النجف وكربلاء

الرائد : تحول  الإعلان عن إقامة مراسم تشييع رمزية للمرشد الإيراني علي خامنئي في مدينتي النجف وكربلاء، من كونه مناسبة دينية أو بروتوكولية عابرة، لحدث سياسي بامتياز أعادت  طرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة النفوذ الإيراني في العراق.

ففي الوقت الذي راجت فيه تقارير عن تراجع هذا النفوذ لصالح الخطاب الوطني العراقي في ظل حملة الفساد التي طالت مسئولين موالين لإيران وانتقادات الفصائل المسلحة، تأتي هذه الاستعدادات لتقلب المعادلة، مؤكدة قدرة طهران على توظيف الرموز الدينية في أقدس المدن الشيعية لتمرير رسائل سياسية وأمنية معقدة تتجاوز حدود العراق.

ومن المهم الإشارةإلي أن جذور النفوذ الإيراني في العراق تعود إلى ما بعد الغزو الأمريكي عام 2003، حيث عمل الحرس الثوري الإيراني على بناء شبكة معقدة من الأحزاب والفصائل المسلحة.

ومع تصاعد التوترات الإقليمية، خاصة بعد عام 2011 وتأسيس تنظيم الدولة الإسلامية عام 2014، تم دمج هذه الفصائل في الحشد الشعبي، مما منحها غطاءً رسمياً.

وكثيرا ما  استخدمت إيران المدن المقدسة مثل النجف وكربلاء كمنصات لإثبات ولاءاتها، مستغلة البعد الديني لتغطية التمدد السياسي.

قوة عسكرية وسياسية

وتزامنت هذه الفعاليات في السنوات الماضية مع استعراض قوة عسكري وسياسي، كان آخرها استغلال المناسبات الدينية لإطلاق تهديدات مباشرة ضد الدول المجاورة، مما يجعل من النجف وكربلاء ساحتين لتدافع النفوذ بين الدولة العراقية ومؤسساتها السيادية من جهة، وشبكة الولاءات الخارجية من جهة أخرى.

فعاليات جنازة خامنئي في النجف وكربلاء ترسل رسالة واضحة ، بأن القوى الموالية لإيران لا تزال تملك زمام المبادرة التنظيمية في أكثر المدن العراقية حساسية.

وتحمل هذه الخطوة ثلاث رسائل متزامنة. الأولى موجهة للداخل العراقي، لتؤكد أن الحديث عن انحسار تأثير الفصائل المرتبطة بطهران لا يعكس الواقع الفعلي لموازين القوى على الأرض.

أما الرسالة الثانية فتتجه إلى الدول العربية والخليجية، لتجديد التأكيد على أن العراق لا يزال يمثل العمق الاستراتيجي والأمني للمشروع الإيراني. الرسالة الثالثة لمرسم دفت خامنئي وجهت هذه المرة  إلى المجتمع الدولي، مفادها أن شبكة الحلفاء الإقليميين لا تزال فعالة وقادرة على المناورة رغم العقوبات والضغوط.

في هذا السياق، يشير ، الباحث البارز في مؤسسة تشاتام هاوس والخبير في شؤون الفصائل العراقية، ريناد منصور إلى أن إيران تعتبر العراق ليس مجرد حليف، بل هو شريان الحياة الاستراتيجي الذي يربط طهران ببيروت ودمشق. ويوضح منصور أن استعراض القوة في النجف وكربلاء ليس مجرد طقوس دينية، بل هو تأكيد على أن الحرس الثوري يحتفظ بقنوات اتصال مباشرة مع القواعد الشعبية في العراق، متجاوزاً بذلك مؤسسات الدولة الرسمية.

رسائل إيرانية

وبدوره يرى معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى في تحليلاته أن عقيدة الدفاع المتقدم الإيرانية تعتمد بشكل كلي على نقل خطوط المواجهة إلى خارج الحدود.

ويشير المعهد إلى أن الفصائل العراقية الموالية لإيران تمثل أداة ضغط تمنح طهران هامشاً واسعاً للمناورة السياسية والعسكرية دون الدخول في مواجهة مباشرة، مما يجعل من العراق ساحة مناورة دائمة.

وعلى الصعيد السياسي العراقي، أشار ، المحلل السياسي العراقي، أحمد الشريفي أن إقامة مثل هذه الفعاليات في العتبات المقدسة يخلق حالة من التنازع المستمر بين السيادة الدينية المستقلة للحوزة في النجف، والتوظيف السياسي من قبل قوى الولاء الخارجي.

واضاف  أن هذا التوظيف يضر بالصورة الذهنية للمدن المقدسة ويحولها إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية، مما يعقد محاولات الدولة العراقية في فرض سيادتها الكاملة.

كما يلفت مركز كارنيغي للشرق الأوسط إلى أن صعود الخطاب الوطني العراقي خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد احتجاجات اكتوبر ، أدى إلى تراجع شعبي كبير للفصائل المسلحة. إلا أن المركز يحذر من أن هذا التراجع الشعبي لم يترجم بعد إلى تراجع مؤسسي وأمني كامل، حيث لا تزال هذه الفصائل تملك القدرة على تنظيم فعاليات كبرى وإدارة الأزمات في الساحات الحساسة مثل كربلاء والنجف.

سيادة العراق

وبحسب خبراء ومراقبين فقد تؤدي هذه التطورات إلى تعقيد محاولات العراق في بناء شراكات اقتصادية وسياسية مستقلة مع محيطه العربي. فطالما أن قرار الأمن والحدود يتنازع بين الحكومة العراقية والفصائل المرتبطة بعقيدة الدفاع المتقدم الإيرانية، ستبقى بغداد رهينة للتجاذبات الإقليمية.

ورجحوا  تشهد الفترة المقبلة تصاعداً في حدة الخطاب الوطني المطالب بتفعيل سيادة الدولة ومنع توظيف المدن المقدسة لأغراض سياسية خارجية، مما قد يؤدي إلى مواجهات سياسية حادة داخل البرلمان العراقي بين قوى الإطار التنسيقي والقوى الوطنية.

وعلى الصعيد  الإقليمي، إذا استمرت طهران في استخدام النجف وكربلاء كمنصات لإطلاق رسائل التهديد، فإن ذلك سيدفع دول الخليج إلى التشدد في شروطها الاستثمارية والاقتصادية مع بغداد، خوفاً من أن تكون أموال الإعمار ممراً لتمويل شبكة الحلفاء الإيرانيين، مما ينعكس سلباً على عملية إعادة الإعمار في العراق

 

 

 

اترك تعليقا