عن دهاء حائك السجاد الإيراني..
نواف القديمي يكتب
- dr-naga
- 7 يوليو، 2026
- مقالات وتحليلات
- إيران, الاقتصاد الإيراني, الثورة في إيران, السجاد الإيراني, تركيا
ثمّة مقولات تشيع ولا تخضع لمحاولة اختبار مدى دقتها وصوابها، مثل الحديث عن حنكة الفرس ودهاء حائك السجاد الإيراني. وتُروَّج هذه المقولة دوماً في سياق الثناء على النظام الحالي ومؤسسه وقادته، رغم أن أي حديث في السياسة يجب أن يخضع أولاً لسؤال الجدوى والنتيجة والمآلات؛ فبدونه ستتحول المقولات إلى أساطير ومسلَّمات تدخل في حقل الإيمان الغيبي غير الخاضع للفحص والتجريب.
بعد الثورة في إيران، تسلم الخميني قيادة بلد ضخم وصديق للغرب، وكانت الدولة الأقوى اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً في المنطقة، ولديها ثاني أكبر مخزون للغاز الطبيعي ورابع أكبر مخزون نفطي في العالم، وكتلة سكانية كبيرة ومتعلمة. كان حجم الاقتصاد الإيراني في منتصف السبعينيات ضعف حجم الاقتصاد التركي وضعفي حجم الاقتصاد الكوري الجنوبي. وبحسب مسار تطور اقتصاديات الدول في أربعة عقود، وباعتبار ما تملكه من ثروات وإمكانات، كان يجب أن يكون حجم الاقتصاد الإيراني الحالي ضعف حجم نظيره التركي (وتركيا دولة شبه معدومة الموارد الطبيعية، ومساحتها نصف مساحة إيران، وتقاربها في عدد السكان). لكن الوضع في إيران لم يكن كذلك؛ فبسبب سوء الإدارة، وسيطرة رجال الدين، وغلبة الخطاب الأيديولوجي في علاقاتها الإقليمية والدولية ــ والذي افتتح عهد الثورة باحتجاز عشرات الدبلوماسيين الأمريكيين كرهائن لـ 444 يوماً (حيث فتحت هذه الحادثة الباب لبدء فرض العقوبات الأمريكية عليها) ــ وليس انتهاءً بشعارات الموت لأمريكا وإسرائيل، في نفس الوقت الذي اشترت فيه أسلحة إسرائيلية في واقعة (إيران كونترا)، وسهلت فيه احتلال أمريكا لأفغانستان والعراق، وتجلس معها اليوم على طاولة مفاوضات هي في أساسها قائمة على انتقاص السيادة الإيرانية ومصادرة حقها في التصنيع النووي مقابل السعي لرفع العقوبات التي كان يمكن تجنبها من البداية. إضافة إلى كونها باتت بلداً بلا أصدقاء، وكل محيطها يشعر بالقلق منها بسبب مغامراتها ونزعاتها التوسعية. وبسبب كل ذلك، وقائمة طويلة أخرى من الأسباب، نجد اليوم أن حجم الاقتصاد الإيراني أقل من ربع نظيره التركي، وخُمس نظيره الكوري الجنوبي (خلال نفس الفترة تضاعفت اقتصاديات السعودية وقطر والإمارات عشر مرات).
طبعاً يردد إيرانيو الهوى دوماً أن السبب في ذلك يرجع إلى كون الثورة في إيران قامت على نظام صديق للغرب، لذلك فُرضت عليها العقوبات الأمريكية. وهذا الكلام لا يصمد أمام كثير من الوقائع، خاصة أننا حديثو عهد بثورات حصلت في مصر وتونس على أنظمة صديقة للغرب، وكانت هذه الثورات ــ في مصر تحديداً ــ كابوساً لإسرائيل، ومع ذلك اعترف بها الغرب وتعامل معها؛ لأنها لم ترفع شعارات عنترية ضده، وكانت أكثر ذكاءً في التعاطي مع تعقيدات المشهد الدولي، رغم أنها أنتجت أنظمة أكثر خشونة في التعامل مع الكيان المحتل، وأكثر دعماً للقضية الفلسطينية. فالعقوبات لم تكن نهاية حتمية لمسار بناء علاقة ندية ومتوازنة مع الغرب، بل كانت نتيجة متوقعة لخطاب شعاراتي دوغمائي منزوع السياسة.
أياً كان المقياس أو المعيار السياسي الذي ستختاره، ستصل إلى نتيجة مفادها أن إيران بعد الثورة خضعت لسلطة أيديولوجية لا علاقة لها بالسياسة، فكان طبيعياً أن تصل إلى هذا الوضع الخدمي والتنموي المتردي، والاقتصاد الضعيف والهش ــ والذي يسيطر الحرس الثوري على 40% منه ــ واستثمارات عسكرية وميليشياوية فاشلة؛ حيث أنفقت على المشروع النووي أكثر من 600 مليار دولار (ثم تم تدمير معظم هذه المواقع في أيام)، وأكثر من 50 مليار دولار في دعم بقاء النظام السوري ثم تبخرت في بضعة أيام فقط. إضافة إلى خسارتها لسردية “نصرة المظلومين” بعد دعمها ومشاركتها في القمع الذي قام به نظام مجرم لثورة شعبية راح ضحيته ما يقارب نصف مليون قتيل. كل ذلك انعكس على الاقتصاد في إيران، فنتج عنه حد أدنى للأجور يبلغ ثمانين دولاراً فقط ــ وهو يعادل نصف الحد الأدنى للأجور في بلد محدود الموارد ومأزوم اقتصادياً مثل مصر ــ وناتج محلي بلغ نصف الناتج المحلي للكيان المحتل محدود المساحة وذي العشَرة ملايين نسمة، ونصف الناتج المحلي لدولة الإمارات رغم أن مخزونات إيران من الغاز والنفط تفوق تلك الموجودة في الإمارات.
في المقابل، يمكن مقارنة ما حصل في إيران بعد إسقاط نظام الشاه بما حصل في سوريا بعد إسقاط نظام الأسد، والتي قاد نظامها الجديد مجموعة أتت من خلفية جهادية، ومع ذلك، نجحوا ــ وخلال عام واحد فقط ــ في كسب دعم ومساندة أهم دول الإقليم، والحصول على اعتراف واحترام الدول الغربية، ورفع عدد هائل من العقوبات الاقتصادية الصعبة والمعقدة، وتوحيد السلاح والجغرافيا، ووضع سوريا في بداية طريق التنمية والتحديث، وكل ذلك بدون تقديم أي تنازلات أو اعتراف بالكيان المحتل المجاور لها.
إذا أردت التفتيش عن الحنكة والدهاء والحكمة والتعقل فستجد كل ذلك حيث تجد النتائج، لا في الشعارات والهتافات والأساطير التي لا تورث سوى الخراب والطائفية والفقر واللهاث وراء طموحات إمبراطورية موهومة.
