ماكرون يدشن مرحلة جديدة مع سوريا
في ظل متغيرات داخلية وإقليمية
- السيد التيجاني
- 6 يوليو، 2026
- تقارير وترجمات
- أحمد الشرع, باريس, سوريا, ماكرون
تمثل الزيارة التي يجريها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، على رأس وفد يضم مسؤولين حكوميين وممثلي شركات فرنسية كبرى، واحدة من أبرز التحولات في السياسة الفرنسية تجاه سوريا منذ اندلاع الأزمة عام 2011. فالزيارة لا تقتصر على بعدها البروتوكولي، بل تحمل رسائل سياسية واقتصادية عميقة تعكس انتقال العلاقة بين البلدين من مرحلة العزلة والعقوبات إلى مرحلة اختبار فرص التعاون والاستثمار وإعادة الإعمار.
ويأتي هذا التحول في ظل متغيرات داخلية وإقليمية متسارعة، أبرزها تشكيل سلطة سورية جديدة برئاسة أحمد الشرع، والانفتاح التدريجي لبعض العواصم الغربية على دمشق، إلى جانب تخفيف جزء كبير من القيود الاقتصادية التي كانت تعرقل دخول الشركات الأجنبية إلى السوق السورية.
إعادة الإعمار تتصدر الأولويات
تشير المعطيات إلى أن الملف الاقتصادي سيكون المحور الرئيسي للمباحثات بين الجانبين، إذ تواجه سوريا واحدة من أكبر عمليات إعادة الإعمار في العالم بعد سنوات الحرب التي ألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية والقطاعات الإنتاجية والخدمية.
وتسعى الحكومة السورية إلى جذب الاستثمارات الأجنبية باعتبارها ركيزة أساسية لإعادة تنشيط الاقتصاد، بينما ترى باريس أن المشاركة المبكرة في مشاريع إعادة الإعمار تمنح الشركات الفرنسية فرصة لاستعادة حضورها في منطقة كانت تاريخياً ضمن دوائر النفوذ الفرنسي.
وتشمل القطاعات المطروحة للتعاون الطاقة، والكهرباء، والمياه، والاتصالات، والنقل، والصحة، والتعليم، وإعادة تأهيل المدن، وهي مجالات تمتلك فيها الشركات الفرنسية خبرات طويلة يمكن أن تجعلها من أبرز المستفيدين من الانفتاح الجديد.
يرى الباحث الفرنسي توماس بياريه، المتخصص في الاقتصاد السوري، أن نجاح أي استثمارات أجنبية لن يتوقف على رفع العقوبات وحده، وإنما على قدرة الحكومة السورية على توفير بيئة قانونية مستقرة.
ويؤكد بياريه أن المستثمرين الأوروبيين ينظرون إلى ثلاثة عناصر رئيسية قبل ضخ الأموال، وهي حماية الملكية، ووضوح التشريعات، واستقلال القضاء الاقتصادي، مشيراً إلى أن هذه العوامل ستكون حاسمة في تحديد حجم المشاركة الفرنسية خلال السنوات المقبلة.
ويضيف أن الاقتصاد السوري يحتاج إلى إصلاحات مالية ومصرفية واسعة، لأن إعادة بناء المباني وحدها لا تكفي إذا بقيت البيئة الاستثمارية تعاني من التعقيدات الإدارية وضعف التمويل.
البعد الجيوسياسي
من جانبه، يعتبر أستاذ الجغرافيا السياسية فابريس بالانش أن الزيارة تحمل أبعاداً استراتيجية تتجاوز الاقتصاد.
ويقول إن فرنسا تدرك أن ترك الساحة السورية لقوى إقليمية ودولية أخرى خلال السنوات الماضية أدى إلى تراجع نفوذها التقليدي في بلاد الشام، ولذلك فإن العودة عبر بوابة الاستثمار تمنحها فرصة لاستعادة دور سياسي تدريجي.
ويرى بالانش أن النفوذ الاقتصادي غالباً ما يتحول إلى نفوذ سياسي طويل الأمد، خاصة عندما يرتبط بمشروعات البنية التحتية والطاقة والتعليم، وهي قطاعات تستمر آثارها لعقود.
كما يعتقد أن باريس تحاول تحقيق توازن في علاقاتها الإقليمية، بحيث تحافظ على تعاونها مع شركائها الأوروبيين، وفي الوقت نفسه تفتح قنوات جديدة مع دمشق بما يخدم مصالحها الاستراتيجية.
أثارت الزيارة اهتماماً واسعاً في الأوساط الدولية، حيث اعتبرها مراقبون بداية لمرحلة جديدة في العلاقة بين أوروبا وسوريا.
داخل الاتحاد الأوروبي، يرى بعض المسؤولين أن الانخراط الاقتصادي قد يكون أكثر فاعلية من سياسة العزلة الطويلة، خصوصاً إذا ارتبط بإصلاحات اقتصادية وإدارية.
في المقابل، لا تزال هناك أصوات أوروبية تدعو إلى توخي الحذر، مطالبة بربط أي تعاون اقتصادي بتقدم ملموس في ملفات الحوكمة والإصلاح المؤسسي.
أما في الولايات المتحدة، فيراقب صانعو القرار هذه التحركات باعتبارها اختباراً لمرحلة ما بعد تخفيف العقوبات، مع التأكيد على ضرورة التزام الشركات بالقوانين الدولية المنظمة للاستثمار.
إقليمياً، رحبت عدة دول عربية بأي خطوة من شأنها تسريع تعافي الاقتصاد السوري، معتبرة أن الاستقرار الاقتصادي ينعكس إيجاباً على أمن المنطقة ويحد من موجات الهجرة والنزوح.
مكاسب محتملة للطرفين
بالنسبة لسوريا، تمثل الاستثمارات الفرنسية فرصة للحصول على التكنولوجيا والخبرة والتمويل، إضافة إلى استعادة الثقة الدولية تدريجياً.
كما يمكن أن تسهم المشاريع الجديدة في خلق فرص عمل، وتحريك قطاع المقاولات، وتحسين الخدمات الأساسية، وزيادة الإيرادات الحكومية.
أما فرنسا، فتطمح إلى تأمين موطئ قدم اقتصادي في سوق يتوقع أن يشهد مشاريع بمليارات الدولارات خلال العقد المقبل.
وتمثل إعادة الإعمار أيضاً فرصة لتعزيز صادرات الشركات الفرنسية في مجالات المعدات الصناعية والطاقة والبنية التحتية والخدمات الهندسية.
تحديات لا تزال قائمة
ورغم أجواء الانفتاح، فإن الطريق أمام التعاون لن يكون خالياً من العقبات.
فلا تزال سوريا تواجه تحديات اقتصادية كبيرة، من بينها ضعف العملة، وارتفاع معدلات التضخم، والحاجة إلى إصلاح النظام المالي والمصرفي.
كما أن المستثمرين الأجانب سيطالبون بضمانات واضحة بشأن العقود وآليات التحكيم وتسوية النزاعات.
وتبرز أيضاً تحديات مرتبطة بإعادة تأهيل البنية التحتية الأساسية، إذ إن نجاح الاستثمارات يتطلب شبكات كهرباء ومواصلات واتصالات قادرة على دعم النشاط الاقتصادي.
ويرى خبراء التنمية أن جذب رؤوس الأموال يحتاج كذلك إلى تحديث التشريعات الضريبية، وتبسيط إجراءات تأسيس الشركات، وتعزيز الشفافية في منح العقود الحكومية.
التأثير على المنطقة
من المتوقع أن يشجع التقارب الفرنسي السوري دولاً أوروبية أخرى على دراسة فرص العودة إلى السوق السورية، خصوصاً إذا أثبتت التجربة الفرنسية نجاحها.
وقد يؤدي ذلك إلى زيادة المنافسة بين الشركات الأوروبية والآسيوية والعربية للفوز بعقود إعادة الإعمار.
كما يمكن أن يسهم الانفتاح الاقتصادي في تعزيز الاستقرار الداخلي عبر توفير فرص العمل وتحسين الخدمات العامة، وهو ما قد يشجع أعداداً من اللاجئين والنازحين على العودة تدريجياً إلى مناطقهم.
ويرى بعض المحللين أن التعاون الاقتصادي قد يفتح الباب لاحقاً أمام حوار سياسي أوسع بين دمشق والعواصم الغربية حول ملفات الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب والهجرة.
مقترحات لتعزيز نجاح الشراكة
يشدد خبراء الاقتصاد على أن نجاح المرحلة المقبلة يتطلب مجموعة من الخطوات العملية، أبرزها:
إنشاء هيئة مستقلة لمتابعة مشاريع إعادة الإعمار وتسهيل إجراءات المستثمرين.
إصدار قوانين حديثة لحماية الاستثمار وتسوية النزاعات التجارية.
اعتماد أعلى معايير الشفافية في منح العقود الحكومية.
تطوير القطاع المصرفي وربطه بالأنظمة المالية الدولية.
إعطاء الأولوية للمشاريع التي توفر فرص عمل واسعة للسوريين.
تشجيع الشراكات بين الشركات الأجنبية والقطاع الخاص السوري لنقل الخبرات والتكنولوجيا.
كما يدعو مختصون إلى توسيع التعاون في مجالات التدريب المهني والتعليم التقني، لضمان وجود كوادر قادرة على تنفيذ المشاريع الكبرى.
توقعات المرحلة المقبلة
تشير المؤشرات إلى أن زيارة ماكرون لن تكون حدثاً منفرداً، بل بداية لمسار سياسي واقتصادي جديد.
ومن المتوقع الإعلان خلال الأشهر المقبلة عن اتفاقيات تعاون في قطاعات الطاقة والنقل والمياه، إضافة إلى زيارات متبادلة لوفود اقتصادية ورجال أعمال.
كما يرجح أن تدخل مؤسسات تمويل أوروبية على خط دعم مشاريع إعادة الإعمار إذا استمرت أجواء الانفتاح وتحسنت البيئة الاستثمارية.
ويرى مراقبون أن نجاح التجربة الفرنسية قد يشجع دولاً أخرى داخل الاتحاد الأوروبي على إعادة صياغة سياساتها تجاه دمشق، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات الأوروبية السورية.
تعكس زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق تحولاً سياسياً واقتصادياً لافتاً بعد أكثر من عقد من القطيعة. وبينما تنظر سوريا إلى الشراكة مع فرنسا بوصفها فرصة لتسريع إعادة الإعمار واستعادة النشاط الاقتصادي، ترى باريس في هذه الخطوة وسيلة لاستعادة حضورها الاستراتيجي في الشرق الأوسط عبر بوابة الاقتصاد.
ومع أن نجاح هذا المسار سيظل مرهوناً بقدرة دمشق على توفير بيئة استثمارية مستقرة، وباستمرار الانفتاح الدولي، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن العلاقات الفرنسية السورية تدخل مرحلة جديدة قد تعيد رسم ملامح التعاون بين أوروبا وسوريا خلال السنوات المقبلة، وتمنح ملف إعادة الإعمار زخماً غير مسبوق إذا توافرت الإرادة السياسية والإصلاحات الاقتصادية اللازمة.
