الطبقة المتوسطة الجرح النرجسي
د محمد فرحات يكتب
- dr-naga
- 4 يوليو، 2026
- مقالات وتحليلات
- الدراسات النفسية, الطبقة المتوسطة الجرح النرجسي, د محمد فرحات
طبقتنا الاجتماعية (المتوسطة) تتعرض حالياً لحالة عامة لما يطلق عليه في حقل الدراسات النفسية: الجرح النرجسي (Narcissistic Injury).
أبناء هذه الطبقة يتعرضون لأزمة حادة في هذا الوقت، فكل فرد منهم نشأ في أسرة (مستورة)، ومن المفترض أنه فرد (محترم)، نشأ في وسط (محترم).
ويعيش هذا الإنسان في شرنقة لطيفة، في سنوات عمره الأولى، لكن مع مرور الوقت، ونزوله رويداً رويداً إلى واقع الحياة، تتمزق تلك الشرنقة كاشفة عن واقع مرير، يجسد كل معاني (الديستوبيا) التي يتكلم عنها المفكرون المتشائمون!
فجأة يكتشف هذا الفرد أنه فعلياً ليس بهذا القدر الاجتماعي الذي كان يظن نفسه عليه، فهو ينتمي إلى الجزء الأعلى من الطبقات الدنيا، في مجتمع طبقي، تم هندسة بنيانه بعناية، وتنظيم محكم، بحيث لا ترتفع طبقة إلا بأن تدوس بقدمها على رأس الطبقة التي تحتها!
وتلقائياً يجد نفسه في حيز: الاحترام (النسبي)، وليس الاحترام (المطلق).
فأنت محترم فعلاً، ولكن في الإطار الضيق الذي يسمح لك فيه بأن تكون محترماً، أما في الصورة الكلية: فأنت فعلياً (تحت)، ولابد من تذكيرك كل يوم بهذه الحقيقة المريرة:
“يا بني فوق!! إنت (تحت) إنت مش (فوق)!!”
حقيقة يلمسها هذا الفرد عندما تنتهك آدميته للحصول على أدنى (متطلباته)، وليس (حقوقه)، فهو يتعلم بالتدريج أن كلمة الحقوق لا توجد إلا في مكانين: في الجامعة: على لافتة إحدى الكليات، وهناك عند أهل الطبقات التي هي (فوق)!
حقيقة يراها وهو يقف صاغراً في الطابور، لمدة ساعات لمجرد إنهاء ورقة واحدة من أوراقه، بينما يرى بأم عينه أوراق أصحاب المعالي (اللي فوق) وهي تدخل في (بجاحة) إلى الموظف بشكل مباشر، وتنتهي في سلاسة مخملية.
حقيقة يراها وهو يلهث باحثاً عن وظيفة تليق بتلك الورقة التي يحملها في ملفه الشخصي، ويسمونها: الشهادة الجامعية، في الوقت الذي تم حجز الوظائف أصلاً لأبناء (الناس اللي فوق) ولأبناء المحظوظين من (الناس اللي تحت) الذي تقربوا (للناس اللي الفوق)!
بالتدريج يصاب هذا الإنسان بجرح نرجسي عنيف، عندما تتوالى صدمات نفسه، وينهار بداخله شعور الكرامة، والاعتداد بالنفس، لهذا يتحول هذا الإنسان إلى (لغم) قابع تحت السطح، في ظاهره السكون، ولكن مع أبسط احتكاك سينفجر في غضب أحمق، لا يميز بين درجات الصدام.
هذه القضية بالنسبة مؤلمة إلى حد بعيد جداً، فيعز علي أن أرى الطرفين في هذا الموقف، ويعز علي أن يكون كل هذا الصدام والعنف لأجل موقف بسيط، بعيداً عن: من البادئ، ومن المخطئ.
هذه القضية أرى فيها نفسي، وأرى فيها أولادي، وأرى فيها مجتمعاً كاملاً كان لوقت قريب لا يعرف عنه إلا أنه: طيب.
إن هذه القضية هي قضيتنا كلنا، وبدلاً من الانقسام والاستقطاب، لابد لنا من وقفة عاقلة، فمجتمعنا يتعرض لأزمات عنيفة، وطبائعنا تبدلت، وقيمنا طمست، والأمر أكبر من المناكفات الصبيانية، وتفريغ شحنات الضغط في بعضنا البعض.
يا عزيزي لا تغضب من كلامي…
أنا فقط أثرثر معك ونحن نجلس سوياً (تحت)!!
