هرمز يواجه معركة الملاحة والرسوم الطوعية
عقب التصعيد العسكري الأخير بين واشنطن وطهران
- السيد التيجاني
- 30 يونيو، 2026
- اقتصاد الرائد, تقارير وترجمات
- التصعيد العسكري, الرسوم الطوعية, طهران, مضيق هرمز, واشنطن
دخل ملف مضيق هرمز مرحلة جديدة عقب التصعيد العسكري الأخير بين الولايات المتحدة وإيران، إذ لم يعد النقاش مقتصرا على أمن الملاحة أو حماية ناقلات النفط، بل امتد إلى مستقبل إدارة أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وإمكانية إنشاء آلية تمويل طوعية لتغطية تكاليف الخدمات الملاحية وتعزيز أمن العبور.
وفي هذا السياق، أعلن الأمين العام لـالمنظمة البحرية الدولية، أرسينيو دومينغيز، تعليق عمليات إجلاء السفن العالقة في مضيق هرمز بعد الهجوم الأخير على إحدى ناقلات النفط، موضحا أن المنظمة تنتظر ترتيبات أمنية وتفاهمات مع إيران قبل استئناف عمليات إخراج السفن بصورة آمنة.
وأكد دومينغيز أن المنظمة تلقت تقارير تفيد بأن الممرات التي اقترحتها لم تعد آمنة، الأمر الذي دفعها إلى تعليق الخطة مؤقتا، مع استمرار الاتصالات مع مختلف الأطراف لإيجاد حلول تضمن سلامة الملاحة الدولية.
مقترح الصندوق الطوعي
في موازاة التطورات الأمنية، برز مقترح جديد يتمثل في إنشاء صندوق للمدفوعات الطوعية يخصص لتمويل الخدمات الملاحية في مضيق هرمز، وهو اقتراح يستند إلى تجارب معمول بها في مضيقي مضيق ملقة ومضيق سنغافورة.
ووفقا لما نقلته وسائل إعلام دولية، فإن المقترح العماني يقوم على مساهمة شركات الشحن بصورة طوعية في تمويل خدمات تشمل تعزيز السلامة البحرية، وتطوير أنظمة الإنقاذ، ومكافحة التلوث، ورفع الجاهزية للاستجابة للحوادث البحرية، دون فرض رسوم إلزامية على حق المرور نفسه.
ويمثل هذا الطرح محاولة للفصل بين “حق العبور” الذي تكفله قواعد القانون الدولي، وبين الخدمات التي تقدمها الدول المطلة على المضيق لضمان سلامة الملاحة.
الموقف العماني
أكد بدر البوسعيدي أن سلطنة عمان ترفض فرض رسوم على مجرد عبور السفن، معتبرا أن ذلك يتعارض مع قواعد القانون الدولي، لكنه أوضح أن تقديم خدمات بحرية إضافية مقابل مساهمات أو رسوم مرتبطة بالخدمات يظل أمرا مختلفا من الناحية القانونية.
وأوضح أن سلطنة عمان تنطلق من التزامها بأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وتسعى إلى الحفاظ على حرية الملاحة مع تعزيز أمن المضيق، مؤكدا أن أي ترتيبات مستقبلية ينبغي أن تبقى ضمن الإطار القانوني الدولي.
كما شدد على أن مسقط تواصل جهودها الدبلوماسية مع إيران وبقية الأطراف الإقليمية بهدف منع عودة التوتر العسكري إلى الممر البحري.
الموقف الإيراني
من جانبها، ترى طهران أن الحرب الأخيرة غيّرت معادلات الأمن في الخليج، وأن مرحلة ما قبل الحرب لن تعود بسهولة.
وأكد عباس عراقجي أن مضيق هرمز “لن يعود كما كان”، في إشارة إلى أن أي ترتيبات مستقبلية ستأخذ في الاعتبار المتغيرات الأمنية الجديدة، وما تعتبره إيران حقوقا ومصالح استراتيجية في المنطقة.
ويرى مراقبون أن إيران تعتبر قدرتها على التأثير في الملاحة داخل المضيق إحدى أهم أوراق الردع في مواجهة الضغوط الغربية، وهو ما يجعلها حريصة على عدم التفريط بهذه الورقة في أي مفاوضات مقبلة.
الموقف الأمريكي
في المقابل، أعلن ماركو روبيو رفض واشنطن أي آلية يمكن أن تؤدي إلى تحقيق عائدات مالية من المرور عبر المضيق، سواء سميت رسوما أو مساهمات أو تبرعات.
وأكد أن الهدف الأمريكي يتمثل في إعادة الملاحة إلى وضعها الطبيعي كما كانت قبل اندلاع الأزمة، مع الحفاظ على حرية التجارة الدولية دون أعباء إضافية على شركات النقل البحري.
ويعكس هذا الموقف المخاوف الأمريكية من أن تتحول الرسوم الطوعية مستقبلا إلى آلية دائمة قد تمنح أطرافا إقليمية نفوذا اقتصاديا وسياسيا أكبر على واحد من أهم الممرات البحرية العالمية.
المواقف الأوروبية
ورغم التحفظ الأوروبي على فكرة فرض أي رسوم مباشرة، تشير تقديرات دبلوماسية إلى أن عددا من الدول الأوروبية يركز حاليا على ضمان توافق أي ترتيبات جديدة مع القانون الدولي بدلا من رفضها بصورة مطلقة.
ويعتقد مسؤولون أوروبيون أن أي نظام طوعي للخدمات قد يكون مقبولا إذا بقي اختياريا ولم يؤثر على حق المرور الحر الذي تكفله الاتفاقيات الدولية.
كما تخشى العواصم الأوروبية من أن يؤدي استمرار التوتر إلى ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، وهو ما سينعكس مباشرة على اقتصاداتها وأسواق الطاقة.
يرى الباحث البريطاني إتش إيه هيلير أن فكرة الصندوق الطوعي تعكس محاولة للتكيف مع واقع أمني جديد فرضته الحرب الأخيرة.
ويقول إن مضيق هرمز كان مفتوحا بالكامل قبل الحرب، أما الآن فقد أصبح المرور أكثر تعقيدا، معتبرا أن النقاش الحالي ليس من صنع سلطنة عمان، بل جاء نتيجة التداعيات التي خلفها التصعيد العسكري.
أما خبراء القانون البحري فيرون أن نجاح أي نظام جديد يعتمد على بقائه اختياريا وعدم ربطه بحق العبور نفسه، لأن تحويله إلى رسم إلزامي قد يفتح الباب أمام نزاعات قانونية واسعة.
ويشير محللون في شؤون الطاقة إلى أن شركات النقل العالمية قد تفضل دفع مساهمات محدودة مقابل الحصول على ممرات أكثر أمنا، إذا أدى ذلك إلى تقليل مخاطر الهجمات وخفض أقساط التأمين البحري.
التأثيرات الاقتصادية
يمر عبر مضيق هرمز جزء كبير من صادرات النفط والغاز العالمية، ولذلك فإن أي اضطراب في الملاحة ينعكس مباشرة على الأسواق الدولية.
وقد أدى التصعيد الأخير بالفعل إلى ارتفاع تكاليف التأمين على السفن، وزيادة أسعار النقل البحري، مع لجوء بعض الشركات إلى تأخير الرحلات أو تغيير مساراتها عند الإمكان.
ويرى اقتصاديون أن استمرار هذه الأوضاع قد يزيد من تكلفة الطاقة عالميا، ويؤثر في أسعار الوقود والسلع الصناعية والغذائية، خصوصا بالنسبة للدول المستوردة للطاقة في آسيا وأوروبا.
كما أن أي نظام جديد لإدارة الخدمات البحرية قد يفرض تكاليف إضافية على شركات الشحن، حتى وإن كانت مساهماته طوعية.
الانعكاسات الإقليمية
تمثل دول الخليج الطرف الأكثر تأثرا بما يجري في المضيق، إذ تعتمد اقتصاداتها بصورة كبيرة على استمرار تدفق صادرات النفط والغاز.
وتدرك سلطنة عمان أن أي اضطراب طويل الأمد سيؤثر في مكانتها التجارية ودورها الإقليمي، لذلك تحاول الجمع بين الوساطة السياسية والحلول العملية للحفاظ على أمن الملاحة.
كما تتابع دول مجلس التعاون الخليجي التطورات عن كثب، مع تأكيدها المستمر ضرورة خفض التصعيد ومنع استهداف السفن والمنشآت الحيوية.
مستقبل الملاحة
يرى خبراء الأمن البحري أن المرحلة المقبلة ستشهد تعزيز أنظمة المراقبة الإلكترونية، وزيادة التعاون بين الدول المطلة على الخليج، إلى جانب تطوير آليات الاستجابة السريعة للحوادث.
كما يتوقع أن تستمر المشاورات بين عمان وإيران والولايات المتحدة والدول الأوروبية للوصول إلى صيغة توازن بين حرية الملاحة ومتطلبات الأمن البحري.
ولا يستبعد محللون أن يتحول الصندوق الطوعي، إذا حظي بقبول واسع، إلى نموذج دولي جديد لتمويل الخدمات البحرية في الممرات الاستراتيجية، بشرط ألا يمس المبادئ الأساسية للقانون الدولي.
توقعات المرحلة المقبلة
يتوقع مراقبون استمرار المفاوضات خلال الأشهر المقبلة وسط تباين واضح بين مواقف الأطراف المختلفة. فإيران تسعى إلى تثبيت معادلات أمنية جديدة بعد الحرب، بينما تتمسك الولايات المتحدة بحرية الملاحة دون أعباء إضافية، في حين تحاول سلطنة عمان إيجاد صيغة توافقية تحافظ على الاستقرار وتضمن استمرار حركة التجارة العالمية.
وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، سيبقى مضيق هرمز أحد أكثر الملفات حساسية على الساحة الدولية، ليس فقط باعتباره ممرا للطاقة، وإنما بوصفه اختبارا لقدرة القوى الإقليمية والدولية على إدارة الأزمات عبر الحوار والقانون الدولي بدلا من المواجهة العسكرية..
