اتفاق يرعى نزاعا لبنانيا ويمنح الكيان شرعية الاحتلال

محمد سعد يكتب

المفارقة في الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل ليست فقط أنه يربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح حزب الله والجماعات المسلحة غير التابعة للدولة. لكنه يقر ضمنا ان الوجود الإسرائيلي هو وجود أمني مشروع ومغادرته مرتبطة بترتيب لبناني-لبناني. اي الدولة اللبنانية أعطت غطاء شرعي لبقاء اسرائيل واعطت الولايات المتحدة دور الحكم في مدى قدرتها على تحقيق الهدف المستحيل، نزع السلاح من فصائل لا ترى شرعية في الوجود الإسرائيلي.

المفارقة الأعمق أن الدولة اللبنانية، بقدراتها المحدودة وتوازناتها الداخلية الهشة، لا تملك وحدها القدرة الواقعية على نزع هذا السلاح. فاستعانت بترتيبات خارجية معقدة لتقوية وضعها الداخلي.

تجاهلت الدولة الحزب في اتفاقها وتجاهلت أن حزب الله ليس مجرد مجموعة مسلحة يمكن تفكيكها بقرار إداري أو عملية أمنية سريعة. هو حزب، وسلاح، وشبكة اجتماعية، وتمثيل طائفي، ونفوذ داخل مؤسسات الدولة وخارجها. أي أن نزع سلاحه لا يعني فقط حل مشكلة أمنية، بل فتح قلب المسألة اللبنانية كلها: من يملك القوة؟ من يحمي الطائفة؟ ومن يعرّف ان الوجود الأجنبي احتلال أم ترتيبات أمنية مقبولة؟

هنا تحديدًا تظهر خطورة الاتفاق.

فالاتفاق لا يطلب من الدولة اللبنانية فقط أن تستعيد احتكار السلاح، بل يمنحها ظهيرًا خارجيًا كي تفعل ما لا تستطيع فعله وحدها. الولايات المتحدة لا تظهر كوسيط محايد فحسب، بل كراعٍ ومراقب وممول ومهندس لمسار أمني، بينما تصبح إسرائيل الطرف الذي ينتظر النتيجة: هل نجحت الدولة اللبنانية في إزالة التهديد أم لا؟ وفي الغالب هي التي تحدد متي يكون الترتيب مناسب لخروجها أو بقائها.

بمعنى آخر، لبنان الرسمي لا يدخل الاتفاق فقط بصفته دولة تريد استعادة أرضها، بل بصفته دولة يجري دفعها إلى معركة داخلية ضد بنية مسلحة وسياسية واجتماعية قائمة داخل لبنان نفسه.

وهذه هي اللحظة الأخطر: حين يصبح الخارج حليفًا للدولة ضد جزء من الداخل..

بهذا المعنى، الاتفاق لا يصنع فقط مسارًا بين لبنان وإسرائيل. إنه يصنع خط صدع داخل لبنان نفسه.

لبنان رسمي يريد نزع السلاح ويستعين بقوة خارجية، ولبنان آخر يرى أن شرعيته فيما يعتبره سلاح المقاومة وتعتبره الدولة الرسمية سلاح موجه ضد استقرارها.

وبين هذين اللبنانين، لا تقف إسرائيل خارج المشهد. تقف في قلبه، باعتبارها المستفيد الأول من تحويل نزع السلاح من نقاش لبناني داخلي إلى ترتيب أمني يشرعن وجودها في الداخل اللبناني سياسيا وحتى جغرافيا.

اترك تعليقا