تركيا.. معارضة أردوغان لا تحظى باهتمام شعبي

اجتماع الشرفة.. هل يتشكل تحالف جديد ضد أردوغان؟

في 15 يونيو/حزيران 1997، كنت أقف في حديقة قصر تشيراغان، أحد أجمل المباني المطلة على المضيق في إسطنبول. يومها مر أمامي رئيس الوزراء آنذاك نجم الدين أربكان برفقة وفد كبير، متوجها إلى اجتماع بالغ الأهمية كان يعقد داخل القصر.

في قصر تشيراغان الذي يعود إلى الحقبة العثمانية ويستخدم اليوم فندقا، أُعلن تأسيس “منظمة الدول الثماني النامية للتعاون الاقتصادي”، التي ضمت الدول المؤسسة: تركيا، وبنغلاديش، وإندونيسيا، وإيران، وماليزيا، ومصر، ونيجيريا، وباكستان، ثم توسع التحالف بانضمام أذربيجان بعد قبولها من خلال تصويت جرى في 2024 بالقاهرة.

مجموعة الثماني المسلمات

ومن خلال بيان حمل اسم “إعلان إسطنبول”، أعلنت الدول الثماني توحيد جهودها والعمل من أجل تحقيق التنمية. كما وقف قادة الدول في شرفة تطل على الحديقة الأمامية للقصر لالتقاط صورة جماعية أمام الصحفيين.

يعتبر هذا الاجتماع من أولى المحاولات الجادة للدول الإسلامية للاجتماع والتعاون فيما بينها، وحظي آنذاك باهتمام واسع، إذ انخرط الجميع في مناقشة مستقبل هذا التكتل الجديد المعروف باسم مجموعة الدول الثماني النامية “D-8”

كنت شاهدا على الاجتماع في ذلك اليوم بصفتي صحفيا، وواصلت متابعة مساره لاحقا. وبعد يومين فقط من انعقاد الاجتماع، اضطر أربكان إلى الاستقالة من منصبه تحت ضغط العسكريين.

ومع استقالته بدأ هذا التكتل، الذي كان أربكان الأب الروحي لفكرته، يفقد زخمه وشعبيته تدريجيا. ثم تحول مع مرور الوقت إلى إطار رمزي وأصبحت تنظم اجتماعات سنوية لإحيائه من خلال فعاليات ثقافية. وأصبح من التقاليد المتبعة في هذه اللقاءات أن يلتقط المشاركون صورا تذكارية على الشرفة نفسها التي وقف عليها قادة الدول الثماني عام 1997.

لم تكن الظروف مواتية لمجموعة الدول الثماني النامية

بعد مرور 29 عاما، دعيت إلى اجتماع إحياء ذكرى المنظمة، وخلال متابعتي الفعاليات المنعقدة عادت إلى ذهني ذكريات يوم التأسيس الأول. وأثناء الكلمات التي ألقيت، جرى التأكيد على أن مجموعة الدول الثماني النامية (D-8) شكّلت أساسا بوصفها مماثلا لمجموعة السبع التي أسستها الدول الكبرى، وأنها تشكل أول خطوة مهمة اتخذتها الدول الإسلامية نحو التعاون والوحدة.

كان جميع المشاركين من الوزراء والسفراء ورؤساء الحكومات ورؤساء الدول السابقين، فيما لم يحضر أي من المسؤولين الحاليين للدول المؤسسة. وتحدث الحاضرون جميعا عن أهمية هذا الكيان الذي يعود الفضل في تأسيسه إلى نجم الدين أربكان.

لقد كانت هذه المنظمة مبادرة مهمة تظهر مدى قوة رؤية أربكان وتصوره للمستقبل. لكن لا البنية السياسية في تركيا آنذاك، ولا الظروف الدولية السائدة، كانت مهيأة لتحويل هذا المشروع إلى واقع. كما أن الدول الغربية ونظيراتها في آسيا لم تكن ترغب بطبيعة الحال في ظهور تكتل مثل هذا ينافسها. بالإضافة لذلك، فإن القدرات الاقتصادية والسياسية والعسكرية لهذه الدول لم تكن كافية لفرض تأسيس كيان بديل في العالم رغم الدول الغربية.

تحالف سياسي جديد

ومنذ 29 عاما تنظم في تركيا فعاليات لإحياء ذكرى تأسيس مجموعة الدول الثماني النامية، إلا أن اجتماع هذا العام أثار جدالات من نوع مختلف، لأنه شهد مشاركة رؤساء أحزاب المعارضة المحافظة والرئيس التركي الحادي عشر عبد الله غول. وعندما اجتمع المشاركون- وفق التقليد المتبع- في شرفة القصر والتقطوا صورة جماعية، بدأت النقاشات بشأن ما إذا كانت تركيا تشهد تأسيس تحالف جديد في مواجهة الرئيس أردوغان.

كانت جميع الأحزاب السياسية المشاركة في الاجتماع هي أحزاب انبثقت عن الحركة التي أسسها نجم الدين أربكان التي تسمى “الرؤية الوطنية”. وضمت الصورة كلا من مستضيف الاجتماع رئيس حزب السعادة محمود أريكان، ورئيس حزب “الرفاه الجديد” فاتح أربكان نجل نجم الدين أربكان، ورئيس حزب المستقبل ورئيس الوزراء السابق عن حزب العدالة والتنمية أحمد داود أوغلو، ورئيس حزب الديمقراطية والتقدم (ديفا) ونائب رئيس الوزراء السابق عن العدالة والتنمية علي باباجان، إضافة إلى الرئيس التركي السابق وأحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية عبد الله غول. وقد أسهمت الأجواء الودية التي عكستها الصورة في إثراء النقاشات التي ترجح تشكل تحالف جديد.

مارست جميع هذه الشخصيات العمل السياسي في الأحزاب التي أسسها أربكان وتلاميذه. ومع ذلك لم يستطيعوا في الانتخابات الأخيرة أن يجتمعوا على كلمة سواء أو يشكلوا تحالفا أو يتفقوا على مرشح مشترك. فعلى الرغم من تشابه أفكارهم وخلفياتهم السياسية المشتركة، بل وحتى علاقات الصداقة التي تجمع بينهم، فإنهم لم يتمكنوا من تأسيس حزب واحد، أو التحرك بشكل مشترك.

واليوم يوجد في تركيا خمسة أحزاب سياسية مختلفة- وُلدت من رحم الحركة التي أطلقها أربكان- تمارس السياسة بشكل نشط، ولا يمكن القول إنها متوافقة فيما بينها. ويعد حزب العدالة والتنمية الأكبر بينها، وهو الحزب الحاكم. وتدور الآن في تركيا نقاشات حول ما إذا كان تلاميذ أربكان سيشكلون تحالفا بديلا في مواجهة حزب العدالة والتنمية وأردوغان.

ورغم عدم وجود شخصيات تقدم تحليلات سياسية بارزة من بين المشاركين، حول القضية موضع النقاش، فإن ما يجري تداوله على الساحة لاقى اهتماما واضحا. وربما أسهمت مشاركة عبد الله غول بشكل خاص في إعطاء المداخلات والحوار إثارة وعمقا.
لكن ممثلي الأحزاب الذين تحدثت إليهم أثناء الانعقاد لم يكونوا يعتقدون إطلاقا بإمكانية تشكيل هيكل تحالف هنا. مع اتساع وانتشار هذه التحليلات، تحدثت إليهم مجددا، فقالوا إن الأخبار والتعليقات كانت موجهة إلى حد ما، وأنها صادرة عن أشخاص لا يعرفون حقيقة ما يجري.

باختصار، لن يخرج من هنا مرشح ضد أردوغان، كما أن تشكيلهم تحالفا يبدو أمرا صعبا، ويعود ذلك إلى المواقف والرؤى التي تبناها هؤلاء السياسيون حتى اليوم.

معارضة أردوغان لا تحظى باهتمام شعبي

في الانتخابات الرئاسية عام 2023، اتخذ قادة الأحزاب الذين يقفون اليوم جنبا إلى جنب في الصورة مواقف مختلفة تماما. فقد دعم فاتح أربكان، الرئيس أردوغان. بينما أعلن عبد الله غول أنه لن يترشح على قائمة أي حزب. أما علي باباجان وأحمد داود أوغلو ومحمود أريكان فقد دعموا رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كليجدار أوغلو، الذي يعد أبرز خصومهم السياسيين.

ورغم كل المحاولات لم يتمكنوا من توحيد أحزابهم، بل إن أحزاب السعادة والمستقبل والديمقراطية والتقدم (ديفا) خاضت الانتخابات البرلمانية ضمن قوائم حزب الشعب الجمهوري. وكان ذلك أكبر خطأ سياسي ارتكبوه؛ لأن قواعد “الرؤية الوطنية” أبدت رد فعل قوي تجاه التحالف مع حزب الشعب الجمهوري ذي الجذور اليسارية. كما أن التحالفات التي تقوم على معارضة أردوغان لم تحظ باهتمام شعبي في أي وقت.

وفي الانتخابات البلدية التي أجريت لاحقا، لم يفز أي من هذه الأحزاب برئاسة أي بلدية باستثناء حزب الرفاه الجديد الذي يدعم أردوغان، وبقيت نسبة أصواتها في حدود 1%. وفي الواقع، تعرضت هذه الأحزاب لهزيمة سياسية كبيرة. ورغم أن نتائج الانتخابات أظهرت سوء تقدير السياسات التي اتبعتها، وارتكابها أخطاء جسيمة، فإن أيا منهم لم يتحمل المسؤولية أو يقدم استقالته. وعلى إثر ذلك استقال عدد كبير من الشخصيات السياسية من هذه الأحزاب.

وفي المحصلة، فإن مجموع أصوات الأحزاب السياسية الأربعة التي اجتمعت خلال ذكرى تأسيس مجموعة الثماني في شرفة قصر تشيراغان لا يصل اليوم إلى 4%.

المرشح المشترك لن يخرج من تلك الصورة

عندما سألت عما إذا كان ترشح عبد الله غول أو علي باباجان يمكن أن يوحد هذه الأحزاب، أبدى كثير من مسؤولي الأحزاب اعتراضهم على الفور. فبحكم سنه، لا يتوقع أحد أن يخوض عبد الله غول مغامرة جديدة. أما باباجان فيبدو أنه استنفد رصيده لدى المجتمع.

ومع ذلك لا أعتقد أن هذه الأحزاب- المنبثقة من حركة “الرؤية الوطنية” التي أسسها نجم الدين أربكان- ستدعم مرة أخرى مرشحا ينظر إليه على أنه خصم لأربكان، كما فعلت في الانتخابات السابقة. ويبدو أنها تعلمت من أخطائها. وبدلا من ذلك ستحاول الآن طرح مرشح محافظ مشترك.

وتبدو مهمتها في الانتخابات الرئاسية صعبة للغاية؛ لأن المناخ السياسي في تركيا والعالم تغير كثيرا. وتحظى السياسة الخارجية والسياسات الأمنية ومبادرات الصناعات الدفاعية التي انتهجها أردوغان بتقدير كبير في ظل الاضطرابات الجيوسياسية. وفي هذا المناخ العالمي المضطرب، يعتقد الشعب أن لا أحد غير أردوغان قادر على إخراج تركيا من هذه الدوامة. كما ينظر إلى أردوغان على أنه سيفوز بالانتخابات مع تحسن الأوضاع الاقتصادية في البلاد.

ولهذا السبب لا تبدو التعليقات التي تتحدث عن خروج تحالف جديد أو تحديد مرشح مشترك من فعالية إحياء ذكرى مجموعة الدول الثماني النامية ذات أهمية كبيرة؛ نظرا للأسباب التي تم شرحها في ثنايا هذا المقال.

**كمال أوزتورك، كاتب وصحفي تركي
*المصدر: شبكة الجزيرة

اترك تعليقا