خلافات «أمريكا أولاً» تعيد رسم موقف اليمين الأمريكي من إسرائيل

كيف غيّرت غزة حسابات قاعدة ترامب؟

منذ عقود، ظل الدعم الأمريكي لإسرائيل أحد أكثر الملفات ثباتًا داخل السياسة الخارجية للولايات المتحدة، خاصة في أوساط الحزب الجمهوري، حيث لعب تحالف المحافظين الجدد (Neoconservatives) والتيار الإنجيلي المحافظ دورًا بارزًا في ترسيخ علاقة استراتيجية قوية مع تل أبيب. وخلال فترة رئاسة دونالد ترامب، شهد هذا المسار دفعة إضافية بعد سلسلة قرارات اعتبرها مؤيدو إسرائيل تحولات تاريخية، من بينها نقل السفارة الأمريكية إلى القدس وتشديد الموقف تجاه السلطة الفلسطينية.

لكن السنوات الأخيرة، وبالأخص منذ اندلاع الحرب في غزة عقب أحداث السابع من أكتوبر 2023، كشفت عن تغيرات داخل قاعدة اليمين الأمريكي، مع ظهور خلافات متزايدة بين التيار التقليدي الداعم لإسرائيل وبين الجناح الشعبوي داخل حركة “اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” (MAGA)، الذي يركز على شعار “أمريكا أولاً” وتقليل الانخراط الأمريكي في الصراعات الخارجية.

ويستند هذا التيار إلى رؤية تعتبر أن الأولوية يجب أن تكون للمصالح الداخلية للولايات المتحدة، سواء عبر ضبط الإنفاق الحكومي أو تقليل الالتزامات العسكرية خارج البلاد. ومن هذا المنطلق، بدأ بعض أنصار MAGA في طرح تساؤلات حول استمرار تقديم مساعدات عسكرية ضخمة لحلفاء خارجيين، ومن بينهم إسرائيل، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة تحديات اقتصادية وسياسية داخلية.

وأظهرت استطلاعات رأي وتقارير سياسية وجود تحول نسبي داخل بعض شرائح القاعدة الجمهورية، خصوصًا بين الناخبين الشباب والمحافظين الجدد داخل الحركة الشعبوية، حيث أصبح جزء منهم أكثر تحفظًا تجاه الدعم غير المشروط لإسرائيل مقارنة بالمواقف التقليدية للحزب الجمهوري. ولم يعد الجدل يتركز فقط حول دعم إسرائيل من عدمه، بل أصبح مرتبطًا بشروط هذا الدعم وحدوده ومدى ارتباطه بالمصلحة الأمريكية المباشرة.

كما ظهرت خلال الفترة الماضية أصوات من داخل اليمين الأمريكي تنتقد سياسات الحكومة الإسرائيلية، خاصة إدارة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو للحرب في غزة، وهو ما عكس وجود مساحة جديدة للنقاش داخل التيار المحافظ كانت أقل حضورًا في السابق.

ورغم هذه التحولات، لا تزال إسرائيل تحظى بدعم قوي داخل قطاعات واسعة من الجمهوريين، خاصة بين التيار الإنجيلي والمحافظين التقليديين، الذين يعتبرون العلاقة مع تل أبيب جزءًا أساسيًا من استراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. لذلك، فإن الحديث عن انهيار التحالف بين اليمين الأمريكي وإسرائيل قد يكون مبالغًا فيه، بينما الأدق هو وجود إعادة ترتيب للأولويات داخل القاعدة المحافظة.

ويرى مراقبون أن مستقبل العلاقة بين MAGA وإسرائيل قد يتجه نحو نموذج مختلف، لا يقوم على الدعم المفتوح فقط، بل على ربط المساعدات والسياسات الخارجية بمصالح أمريكية واضحة. وفي حال استمر صعود التيار الشعبوي داخل الحزب الجمهوري، فقد تشهد واشنطن نقاشًا أكثر حدة حول طبيعة التحالف مع إسرائيل ومستقبل السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.

وبذلك، لا يمثل الجدل الحالي قطيعة بين اليمين الأمريكي وإسرائيل، لكنه يكشف عن تحول مهم في طبيعة العلاقة، حيث بدأت الاعتبارات الانتخابية والداخلية الأمريكية تنافس الاعتبارات الأيديولوجية التي حكمت هذا الملف لعقود.

اترك تعليقا