نصائح للعلماء الربانيين حول تحريم الحلال

د مصطفى القليوبي يكتب

بسم الله، وبعد :

فإنَّ العالمَ الرَّبانيَّ ليس الذي يُضيِّق على الناس أبواب الحلال، ولا الذي يتتبَّع لهم الرخص بلا دليل، وإنما هو الذي يُبصِّرهم بحكم الله، ويجتهد في تنزيل الشريعة على واقعهم تنزيلًا صحيحًا، فيبحث لهم عن المخرج الشرعي إذا وُجد، ويصحح معاملاتهم، ويقودهم إلى الحق بالحكمة والبصيرة.

فكما أنَّ تحليلَ ما حرَّم الله افتراءٌ على الله عز وجل، فإنَّ تحريمَ ما أحلَّ الله افتراءٌ عليه كذلك، وكلا الطرفين مجاوزةٌ للحق، وانحرافٌ عن صراط الاعتدال.

وما ازداد عبدٌ علمًا راسخًا إلا ازداد إنصافًا، واتسع صدرُه للخلاف المعتبر، واقترب من الوسطية التي جاء بها الشرع. وبقدر ما ينقص من العلم، يشتدُّ عليه التعصب، ويضيق أفقه، ويقرب من الغلو أو الجفاء.

إنَّ التوسُّع في مطالعة أقوال العلماء، وسبر أدلتهم، والنظر في وجوه استدلالهم، يورث الفقيهَ ملكةً راسخة في الفهم، واتزانًا في النظر، وعدلًا في الترجيح، ويقيه غوائل الحماسة المجردة، وآفات التسرع في الأحكام، وداءَ التطرف في الفتوى.

ولله درُّ إمام دار الهجرة، الإمام مالك رحمه الله، حين أراد الخليفة أن يحمل الناس على الموطأ، فأبى وقال: إنَّ أصحاب رسول الله ﷺ قد تفرَّقوا في الأمصار، وقد أخذ كلُّ قومٍ من العلم ما بلغهم. فكانت منه نظرةٌ علميةٌ شاملة، وبصيرةٌ نافذة، أدرك بها أنَّ سعة الشريعة لا يليق بها أن تُختزل في اجتهاد واحد، وإن عظم قدر صاحبه.

فنصيحتي لإخواني: أن نكون أوسع اطِّلاعًا، وأبعد نظرًا، وأرحب أفقًا، وأن نلزم غرز العلماء الراسخين، ونأخذ العلم من ينابيعه الأصيلة، متدرجين في طلبه، متجردين للحق، لا للأشخاص.

فليس من الصعب أن يقول المرء في كل نازلة: هذا حرام، وهذا لا يجوز، وهذا منهي عنه؛ فإنَّ التشديد يحسنه كل أحد، ولكن الفقه الحق هو أن تُنزَّل النصوص منازلها، وتُعطى الوقائع أحكامها، ويُعرف مراد الله ورسوله بعلم وعدل.

ورحم الله الإمام سفيان الثوري إذ قال:«إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة، فأما التشديد فيحسنه كل أحد.»وقد رُوي هذا المعنى أيضًا عن الإمام معمر رحمه الله.

فهي كلمةٌ خالدة، تُكتب بماء الذهب، وتبقى مناراتٍ يهتدي بها طلاب العلم، وتكشف أن الفقيه ليس من يكثر المنع، وإنما من يُحسن الفهم، ويُصيب الحكم، ويقود الناس إلى شريعة الله بالعلم والرحمة.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا العلم النافع، والفهم السديد، والعمل الصالح، وأن يجعلنا من أهل العدل والوسطية، وأن يهدينا سواء السبيل.

اترك تعليقا