السويد والنرويج تعيدان قراءة التاريخ بشأن فلسطين

شمال أوروبا يغير السردية الإسرائيلية

في مراجعة علنية للمسارات الدبلوماسية وعلاقاتها التاريخية في الشرق الأوسط، تقود دولتا السويد والنرويج حراكاً إسكندنافياً متقدماً لإعادة قراءة التاريخ السياسي بشأن فلسطين، متجاوزتين عقوداً من الصمت أو الدعم المشروط. هذا التحول الذي تُرجم بقرارات جوهرية  بدءاً من اعتراف السويد التاريخي المبكر بدولة فلسطين وصولاً إلى اعتراف النرويج الرسمي عام 2024 وضغوطهما الإنسانية المستمرة لا يمثل مجرد تغيير في المواقف العابرة، بل يؤسس لمنعطف أوروبي حاسم يرفض الهيمنة على الرواية التاريخية للصراع، ويعيد صياغة الالتزام الأخياري والقانوني تجاه حقوق الشعب الفلسطيني.

أولاً: من رعاية “اتفاق أوسلو” إلى الاعتراف الصريح بالدولة

لعقود طويلة، ارتبط اسم الدبلوماسية الإسكندنافية بدور “الوسيط المحايد” الذي يبحث عن حلول وسطى، وتجلى ذلك تاريخياً في رعاية النرويج لـ “اتفاقية أوسلو” عام 1993. إلا أن السنوات الأخيرة شهدت قناعة راسخة في أوسلو وستوكهولم بأن هذا المسار تم تقويضه بالكامل بسبب سياسات الاستيطان الإسرائيلية وقضم الأراضي.
هذا الإدراك دفع بالسويد إلى اتخاذ خطوة شجاعة عام 2014 لتكون أول دولة كبرى في الاتحاد الأوروبي تعترف رسمياً بدولة فلسطين، وهو المسار الذي لحقت به النرويج بقوة عام 2024 ليعلن البلدان بوضوح أن حل الدولتين لا يمكن انتظاره من مفاوضات لا تنتهي، بل يجب فرضه كأمر واقع وقانوني.
بعد السابع من أكتوبر 2023 ،اعتمدت النرويج على دورها كوسيط عبر اتفاقيات أوسلو، لكن فشل هذا الدور ومجازر غزة دفعا أوسلو إلى تغيير استراتيجيتها بالكامل. في مايو 2024، أعلنت النرويج، رفقة إسبانيا وأيرلندا، الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين.
ثانياً: إعادة قراءة التاريخ ورفض “المظلومية الاحتكارية”
تشهد الأوساط الأكاديمية، والسياسية، والإعلامية في السويد والنرويج مراجعة فكرية عميقة لطريقة صياغة الرواية التاريخية للشرق الأوسط. فقد تراجع الخطاب الغربي التقليدي الذي كان يربط الدعم المطلق لإسرائيل بعقدة الذنب الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية. بدلاً من ذلك، بات الساسة والمؤرخون في شمال أوروبا يطرحون الأسئلة الصعبة حول “النكبة الفلسطينية”، وتاريخ التطهير العرقي، ونظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) الذي يمارسه الاحتلال، معتبرين أن العدالة الدولية تقتضي إنصاف الضحية الحالية وعدم التضحية بحقوق الفلسطينيين لتبرير أخطاء الماضي الأوروبي.
ثالثاً: جبهة دبلوماسية وقانونية ضد انتهاكات الاحتلال
لم يتوقف التحول الإسكندنافي عند حدود الخطابات والنصوص النظرية، بل تُرجم إلى خطوات عملية صدمت تل أبيب في المحافل الدولية:
    • دعم الجنائية ومحكمة العدل الدولية: أعلنت النرويج تأييدها الكامل لقرارات المحاكم الدولية ومذكرات الاعتقال بحق القادة الإسرائيليين، واصفة إياها بالخطوات الضرورية لحماية القانون الدولي.
    • الضغط الاقتصادي والاستثماري: سحب صندوق التقاعد السيادي النرويجي (الأكبر في العالم) وصناديق استثمارية سويدية استثماراتها من شركات إسرائيلية وأجنبية تعمل في المستوطنات غير الشرعية بالضفة الغربية.
    • حظر بضائع المستوطنات: قادت الدولتان تحركات شعبية ورسمية وبلدية لمنع واستثناء بضائع المستوطنات الإسرائيلية من الأسواق، واعتبارها نتاجاً لأنشطة غير قانونية ومخالفة لاتفاقيات جنيف.

رابعاً: الموقف الحازم من حرب غزة والأزمة الإنسانية
شكلت الحرب المستمرة على قطاع غزة نقطة التحول الأعنف في مسار العلاقات؛ حيث قاومت أوسلو وستوكهولم الضغوط الأمريكية والأوروبية لقطع التمويل عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، بل وضاعفتا الدعم المالي لإبقاء شريان الحياة للفلسطينيين مستمراً. وخرج القادة في البلدين بتصريحات علنية غير مسبوقة أدانت استهداف المدنيين، وحصار التجويع، وتدمير المستشفيات، مؤكدين أن ما يحدث في غزة يتجاوز “الدفاع عن النفس” إلى جرائم حرب مكتملة الأركان تتطلب تحركاً دولياً عاجلاً لوقفها ومحاسبة مرتكبيها.

لم يكن الاعتراف مجرد خطوة رمزية،بل توافق مع إجراءات اقتصادية وعسكرية صارمة. ففي تصريح لرئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره، أكد أن النرويج لن تتسامح مع انتهاكات القانون الدولي، معلناً تجميد صادرات الأسلحة والدفاع الموجهة لإسرائيل، ومراجعة استثمارات صندوق الثروة السيادي النرويجي، وهو الأكبر في العالم، لاستبعاد الشركات المتورطة في الانتهاكات. على الصعيد الاجتماعي، شهدت عواصم اسكندنافيا مثل أوسلو وستوكهولم وكوبنهاغن أكبر مظاهرات في تاريخها الحديث نسبة إلى عدد السكان، مطالبة بقطع كافة العلاقات.

في السياق التعليمي، قررت نقابات الطلاب في جامعات النرويج والسويد مقاطعة الفعاليات الأكاديمية الإسرائيلية، وطالبت إدارات الجامعات بفك الارتباط المالي عن أي شركة تدعم الاحتلال. وتوقعات المستقبل تشير إلى أن الدول الاسكندنافية ستشكل كتلة ضغط شمالية داخل الاتحاد الأوروبي لفرض حظر شامل على الاستيراد من المستوطنات، وستستخدم ثقلها المالي عبر صناديقها السيادية لعزل الاقتصاد الإسرائيلي عالمياً، مما يحول اسكندنافيا إلى حصن منيع ضد أي تطبيع مع الكيان.

يمثل التحول الجذري في مواقف ستوكهولم وأوسلو حجر أساس في تفكيك الدعم الأعمى لإسرائيل داخل أوروبا. فمن رعاية اتفاقيات السلام المتعثرة في الماضي، إلى الاعتراف الصريح بالدولة الفلسطينية ومقاطعة المستوطنات اليوم، تضع الدولتان المجتمع الدولي أمام مرآة مسؤولياته الأخلاقية والقانونية، لتؤكدا أن استقرار الشرق الأوسط لا يمكن تحقيقه إلا بإنهاء الاحتلال ومنح الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة كاملة.

اترك تعليقا