إيران.. من “محور الشر” إلى “قوة إقليمية” يمكن التعايش معها

السلام المؤقت يكشف تحولاً متنامياً داخل الحزب الجمهوري

في تحول سياسي لافت داخل “الولايات المتحدة”، بدأت ملامح مراجعة عميقة للموقف التقليدي للحزب الجمهوري تجاه “إيران بالظهور”، بعد عقود ظلت خلالها “طهران” تُصنف باعتبارها أحد أبرز خصوم “واشنطن”.

وبحسب تقرير معمق نشرته صحيفة “نيويورك تايمز الأمريكية”، فإن اتفاق السلام التمهيدي الذي دافعت عنه إدارة الرئيس “دونالد ترامب” فتح الباب أمام تيار متنامٍ داخل «اليمين الأمريكي» يدعو إلى التعامل مع “إيران” كقوة إقليمية يمكن التعايش معها بدلاً من السعي إلى إخضاعها أو تغيير نظامها.

تحول في الخطاب الجمهوري..

قبل أكثر من عقدين، وضع الرئيس الأمريكي الأسبق “جورج دبليو بوش” «إيران» ضمن ما عُرف بـ”محور الشر”، معتبراً أن من “مسؤولية الولايات المتحدة وامتيازها” خوض معركة الحرية ضد خصومها، وحتى الرئيس “دونالد ترامب” نفسه تبنى لهجة شديدة العدائية في بداية الحرب الأخيرة، إذ وصف القيادة الإيرانية بأنها “قاسية للغاية” وأنها “أرادت ممارسة الشر”، إلا أن الخطاب السائد اليوم داخل أوساط متزايدة من الجمهوريين يعكس توجهاً جديداً تجاه “إيران”، يقوم على الاعتراف بقدرتها على الصمود والتعامل معها باعتبارها واقعاً سياسياً وإقليمياً لا يمكن تجاهله، ما يبرز حجم التحول الذي تشهده رؤية الحزب تجاه أحد أبرز خصوم “الولايات المتحدة”.

يشير التقرير إلى أن الرئيس “ترامب” قاد هذا التحول عبر تبني لهجة أكثر مرونة تجاه القيادة الإيرانية، واصفاً قادتها بأنهم “أشخاص أقوياء وأذكياء”، ولم يعد هذا التوجه مقتصراً على الرئيس وحده، بل امتد إلى شخصيات بارزة داخل الإدارة والحركة المحافظة، يتقدمهم نائب الرئيس “جيه دي فانس”، الذي أصبح من أبرز المدافعين عن نهج التسوية مع “طهران”، ورغم استمرار وجود أصوات جمهورية متمسكة بالموقف المتشدد التقليدي، فإن مراقبين يرون أن التغيير يعكس تحولات أعمق داخل الحزب تتجاوز الاعتبارات السياسية المرتبطة بـ”ترامب”.

صعود التيار الانعزالي..

ويوضح التقرير أن المحافظين ذوي النزعة الانعزالية، الذين عارضوا منذ سنوات التدخلات العسكرية الخارجية، وجدوا في «الحرب الأخيرة» دليلاً إضافياً على ضرورة تبني سياسة أكثر حذراً، ونُقل عن “كيرت ميلز”، المدير التنفيذي لمجلة “ذا أمريكان كونسيرفاتيف” (وهي مجلة أمريكية محافظة تُعنى بالسياسة والفكر والثقافة)، قوله إن الرسالة التي بعث بها “ترامب” للأمريكيين مفادها أن “إيران” تمكنت من الدفاع عن نفسها، وأن “واشنطن” لم تعد مهتمة بإذلال خصومها أو فرض استسلامهم.

كما لفت التقرير إلى أن هذا الاتجاه يحظى بدعم متزايد بين الجمهوريين الشباب الذين تشكل وعيهم السياسي خلال حربي “العراق” و”أفغانستان”، ما عزز الميل نحو سياسة خارجية أقل اندفاعاً في استخدام القوة العسكرية وأكثر تركيزاً على المصالح المباشرة لـ”الولايات المتحدة”.

تداعيات تتجاوز الداخل الأميركي..

هذا التحول لا يقتصر تأثيره على السياسة الأمريكية الداخلية، بل يحمل انعكاسات دولية واسعة، خصوصاً فيما يتعلق بـ”أمن الخليج” وإ”مدادات الطاقة العالمية” و”العلاقات الأمريكية مع حلفائها الإقليميين”.

وفي هذا السياق، اعتبر “ستيف بانون”، المستشار السابق لترامب، أن الرئيس بات أكثر إدراكاً لصعوبة إخضاع “إيران عسكرياً”، واصفاً إياه بأنه “صانع صفقات وبراغماتي”، كما تبنت شخصيات إعلامية محافظة مؤثرة خطاباً مشابهاً، مؤكدة أن الحرب الأخيرة أظهرت قدرة “إيران” على الصمود وأن الرهانات التقليدية على كسر إرادتها لم تعد واقعية.

ويخلص تقرير “نيويورك تايمز” إلى أن ما يجري داخل اليمين الأمريكي قد يمثل بداية إعادة صياغة لإحدى أكثر القضايا رسوخاً في السياسة الخارجية الجمهورية، وهو تحول لا يزال في مراحله الأولى، لكنه قد يترك أثراً دائماً على شكل العلاقة الأمريكية الإيرانية خلال السنوات المقبلة.

اترك تعليقا