الزعيم مصطفى كامل وقضاياه الرئيسية

محمد شعبان أيوب

حين تقرأ في سيرة مصطفى كامل رحمه الله، وهو رجل أفنى عمره القصير الذي بلغ 34 عاما فقط للدفاع عن مصر والإسلام وقيمه أمام الاحتلال الإنجليزي وأعوانه من خونة الداخل الذين كانوا يشتمونه بأقذع الشتائم في صحافتهم الصفراء، ستجد أن غاية ما قام به مصطفى كامل الدفاع بالكلمة والوعي، فأنشأ المدارس الأهلية وشجع الناس على إنشائها أمام إصرار الإنجليز على تصعيب التعليم، وتجهيل المصريين، والحط من العلوم العربية والدينية في المراحل الابتدائية، وأدرك كذلك أهمية المنابر الإعلامية الواعدة في زمنه وهي الصحف والمجلات فأنشأ اللواء التي خرجت جنازته منها للقرافة.

ثم حرص على ولوج عالم السياسة فأنشأ الحزب الوطني، وجاب القطر المصري خاصة الإسكندرية والقاهرة وعمل علاقات واسعة مع رجال الثقافة والفكر والأدب والمهتمين بقضية جلاء الإنجليز عن مصر، وكان حريصا على تشجيع كل جهد ولو قلّ في نشر الوعي ومقاومة الاحتلال وأعوانه.

وعلى الصعيد الخارجي كان حريصا على السفر لفرنسا والالتقاء مع المؤثرين فيها من كبار رجال الصحافة والأدب، وله مراسلات شهيرة مع أديبة فرنسية اسمها جولييت آدم كانت مثل مي زيادة في بلادنا، بل أكثر قوة وشهرة منها بمراحل في الداخل الفرنسي الأدبي والسياسي، وذلك بغية التأثير على الرأي العام الفرنسي عله يقنع الحكومة الفرنسية بدعم المعارضة المصرية، فضلا عن سفره إلى بريطانيا نفسها لإقناع الرأي العام الإنجليزي بخطورة الاحتلال، وإعلامهم بما يجهلونه عن أطماعه في مصر.

ثم كان لآخر لحظة من عُمره مؤمنا بضرورة الوحدة المصرية مع الدولة العثمانية، وأن المسلمين جسد واحد، وعبد الحميد الثاني هو الخليفة الشرعي والممثل الأوحد للمسلمين والرعايا العثمانيين في زمنه، ولهذا منحه عبد الحميد رتبة المتمايز ثم رتبة الباشوية فيما بعد.

بل كان محظوما بالخديوي عباس حلمي الثاني؛ الذي كان في قسم مهم من حُكمه مواليا للدولة العثمانية، قريبا من الحركة الوطنية اللي تزعمها النديم ومصطفى كامل ومحمد فريد وغيرهم.

الشيء الوحيد الذي لم يظهر إلا بعد وفاة مصطفى كامل في عام 1908هي المقاومة المسلحة التي بدأت مع الحزب الوطني الجديد وجناحه السري العسكري “جمعية التضامن الأخوي” الذي احتضن عمليات اغتيال الجنود والضباط الإنجليز في صحاري القاهرة، والتي دشنها الشاب الصيدلي الشهيد إبراهيم ناصف الورداني الذي اغتال رجل الإنجليز وعميلهم الأكبر في وقته بطرس باشا غالي.

عموما عمليات اغتيال الإنجليز في صحاري القاهرة أشار إليها عرضا توماس راسل باشا حكمدار القاهرة في وقته، وله مذكرات مهمة منشورة بالعربية، وهذا الملف خصوصا العمليات التي تمت بين عامي 1910 و حتى ثورة 1919، فضلا عن العملية الكبرى التي راح فيها السير لي ستاك في 1924 تحتاج إلى فرز وجرد والكتابة عنها بصورة واسعة، والبحث عن كل معلومة عنها في أرشيف الإنجليز ومذكرات القادة وشهود العيان في ذلك الوقت.

لأن النضال المصري أمام الإنجليز لم يكن – كما نظن – نضالا سلميا قاده أصحاب الياقات البيضاء من الباشوات والأحزاب السياسية والحركات المدنية فقط، بل كان له أبعاد أخرى تحتاج أن تُشرح باستفاضة.

عموما لما تنظر للعمر القصير لمصطفى كامل رحمه الله ابن 34 عاما فقط، وتأثيره الكبير فيمن جاء بعده، وعندك عبد الرحمن الرافعي مؤرخ الحركة الوطنية المصرية حضر جنازته وكان طالب في مدرسة الحقوق ويشرح بتأثر كبير مدى تأثير مصطفى كامل الضخم في عصره وشباب جيله وجنازته تشهد على ذلك، تعلم أن الكيّس الفَطن من يستغل عُمره في مرضاة الله تعالى، والصورة التي تراها له كانت في عز شبابه قبل أن يموت ببضعة سنوات قلائل، عوضه الله الجنة، وجعله من ساكينها آمين.

اترك تعليقا