مذكرة إسلام أباد إنتصار لبراجماتية الحلول

ماجدة القاضي - كاتبة صحفية

عندما اشتعلت الحرب بين الولايات المتحدة واسرائيل من جهة وايران من جهة أخرى ، بدت الأهداف المعلنة أكبر بكثير من مجرد وقف إطلاق النار .
تحدثت إسرائيل عن إزالة التهديد الإيرانى بصورة جذرية ، وأرتفعت الأصوات الأمريكية تتحدث عن منع إيران من امتلاك سلاح نووى ، بل وتغيير النظام نفسه
أما إيران فرفعت شعار واضح الصمود ورفض الإملاءات وواصلت تقديم نفسها باعتبارها قادرة على تحمل كلفة المواجهة

لكن بعد أشهر من الحرب والتصريحات الهادرة واتفاق كان مخاضه متعثرا خرجت مذكرة التفاهم من إسلام آباد لا تتحدث بلغة الحرب التى سمعها العالم

لاحديث عن استسلام ، ولا تغيير للنظام، والحقيقة ولاحتى حديث عن نصر حاسم لأى طرف

بدلا من ذلك ، تتحدث الوثيقة عن وقف العمليات العسكرية ، ورفع العقوبات ، والإفراج عن الاموال المجمدة ، وتامين الملاحة والأغرب لا ذكر من قريب أو من بعيد عن البرنامج الصاروخى الايرانى ومصيره كأنه لا يربك أحد ولا يهم أحد ، والخروج لمفاوضات تمتد ستين يوما للوصول لاتفاق نهائى

هنا نبدأ في رصد الملاحظات :
الحروب غالبا تبدأ بنخبة من الشعارات الرنانه ولكنها عادة ماتنتهي بتحقيق البراجماتية
واذا كانت مذكرة إسلام آباد تمثل شيئاً فهى تمثل انتقال الأطراف من محاولة فرض الإرادة بالقوة إلى محاولة إدارة الخلاف عبر التفاوض
المتابع للصحف والأعلام الامريكى على مدار الايام الماضية لاحظ سلسلة من التسريبات والتقارير المتفرقة لكنها مترابطة في الحديث عن الآلية الأمثل للخروج من الحرب وحديث عن اتصالات خلفية عربية واحاديث عن ترتيبات اقتصادية محتملة وأخرى عن عن التعامل مع الملف النووى عبر آليات رقابة وتسوية بلا من منطق التفكيك الكامل الذى كانت تصر عليه واشنطن في البداية
اليوم وبعد ظهور مذكرة التفاهم تبدو التسريبات كأنها كانت تمهد الطريق للرأى العام كى يتقبل التسوية التى تبدو أقل بكثير من الأهداف من الأهداف التى رفعتها الأطراف عند بداية الحرب
ومن بين جميع البنود الواردة في المذكرة لايبدو الملف النووى هو البند الأكثر أهمية الان بل المؤجل والمجمد حاليا
اما الملف الاقتصادى فيقف في قلب الوثيقة متحدثا عن منطقها الواضح
الافراج عن الاموال المجمدة ، ورفع العقوبات ، وإعادة فتح قنوات التبادل المالى ، والسماح بعودة الصادرات النفطية الإيرانية كلها بنود تقول ان الاقتصاديين مجرد تفصيل في التسوية بل احد اهم أعمدتها القادمة
ومن هنا تكتسب الاموال الإيرانية المجمدة أهمية خاصة .

فخلال الايام الماضية ظهرت تسريبات متتالية حول تحركات إقليمية مرتبطة بالأموال المجمدة والإفراج عن بعضها وعلى الرغم من التسريب والنفي الان ان ظهور قضية الاموال المجمدة في صلب مذكرة التفاهم يجعل التسريبات أكثر قابلية للفهم مما كانت عليه عند ظهورها لأول مرة ويبدو أن الخليج موافق على تكبد ثمن الحرب ممثلة في ما قيمتة 300 مليار دولار سيتحملها من الصندوق الذى ستحصل منه إيران على اموال إعادة الإعمار في مقابل عودة امنه المفقود والمثقوب .

أماإسرائيل فتبقي أحد أكثر العناصر إثارة في هذه المعادلة .
فالمذكرة وبوضوح تعكس أن مرحلة ما بعد الحرب لاتصاغ بين إسرائيل وايران بل عبر شبكة واسعة من الفاعلين الدوليين والإقليميين ، كما أنها تكشف ان حسابات أمريكا الان لإنهاء الحرب لاتتطابق بالضرورة مع الأهداف التى أعلنتها في البدايات
لكن من المبكر جدا القفز إلى الاستنتاجات النهائية

ببساطة لأن ما أعلن ليس اتفاق سلام نهائى بل اتفاقا إطاريا لإنهاء حالة الحرب وفتح باب التفاوض
والكثير من القضايا الجوهرية مازالت معلقة وربما ستبقي كذلك !!
لهذا السؤال اليوم والاهم ليس عن المنتصر والمهزوم ، بل كيف وصلت الأطراف إلى هذة الصيغة ونحن هنا نتحدث عن امريكا وايران والوسطاء ودول الخليج ا
فما بين شعارات الحرب وبنود التسوية ؟ تبدو البراجماتية اللاعب الأكثر حضورا في المنطقة الان.
وربما تكون القصة الاهم ليست مذكرة إسلام آباد بل ما ستكشفه الايام القادمة من فجوة بين سقف الشعارات وواقع التسويات

اترك تعليقا