لبنان يدفع الثمن الأكبر

ضمن سلسلة الأزمات التي تعصف بها منذ سنوات

شكّل انخراط لبنان في الحرب الإقليمية التي اندلعت عقب المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران واحدة من أكثر المحطات دموية وتدميراً في تاريخه الحديث. فخلال أكثر من ثلاثة أشهر من العمليات العسكرية المتبادلة بين إسرائيل وحزب الله، تحولت مناطق واسعة من جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت إلى ساحات قتال مفتوحة، فيما دفعت البلاد ثمناً إنسانياً واقتصادياً واجتماعياً باهظاً يضاف إلى سلسلة الأزمات التي تعصف بها منذ سنوات.

ومع الإعلان عن تفاهم أمريكي إيراني يمهد لوقف الأعمال العسكرية، تتجه الأنظار إلى حجم الخسائر التي خلفتها الحرب، وإلى قدرة الدولة اللبنانية على تجاوز تداعياتها في ظل واقع اقتصادي هش ومؤسسات تعاني أصلاً من ضغوط غير مسبوقة.

حصيلة بشرية ثقيلة

تكشف الأرقام الصادرة عن وزارة الصحة اللبنانية حجم المأساة الإنسانية التي خلفها الصراع. فقد قُتل ما لا يقل عن 3783 شخصاً وأصيب نحو 11699 آخرين خلال الفترة الممتدة من مطلع مارس وحتى منتصف يونيو 2026.

ولا تقتصر دلالة هذه الأرقام على حجم الضحايا فحسب، بل تشمل أيضاً طبيعة الفئات المتضررة، إذ سقط بين القتلى مئات الأطفال والنساء والعاملين في القطاع الصحي. ويرى خبراء الإغاثة الإنسانية أن هذه المؤشرات تعكس اتساع نطاق العمليات العسكرية ووصولها إلى مناطق مكتظة بالسكان.

ويقول الخبير في الشؤون الإنسانية اللبناني الدكتور فادي الأحمر إن “ارتفاع أعداد المدنيين بين الضحايا يؤكد أن الحرب تجاوزت الطابع العسكري التقليدي وأصبحت ذات آثار مباشرة على النسيج الاجتماعي اللبناني، وهو ما سيترك ندوباً طويلة الأمد تتطلب سنوات من المعالجة النفسية والاجتماعية”.

كما يشير محللون إلى أن هذه الخسائر تفوق حصيلة الحرب السابقة بين إسرائيل وحزب الله في عامي 2023 و2024، ما يجعلها واحدة من أكثر المواجهات دموية منذ حرب يوليو 2006.

دمار واسع في البنية التحتية

لم تقتصر الخسائر على الأرواح، بل امتدت إلى البنية التحتية المدنية. فقد تعرضت آلاف المباني السكنية والمؤسسات العامة للقصف أو التدمير، خاصة في محافظات الجنوب والنبطية وأجزاء من بيروت وضاحيتها الجنوبية.

وتفيد البيانات المتوافرة بأن أكثر من 68 ألف وحدة سكنية تضررت أو دمرت كلياً أو جزئياً خلال الأشهر الأولى للحرب. كما أصابت الهجمات منشآت حيوية شملت مستشفيات ومحطات كهرباء وشبكات مياه وطرقات وجسوراً.

ويرى الخبير العمراني اللبناني المهندس جاد تابت أن “إعادة الإعمار هذه المرة ستكون أكثر تعقيداً من المرات السابقة، لأن لبنان يدخل الحرب وهو يعاني أصلاً من تراجع في قدرات الدولة المالية والإدارية، فضلاً عن الدمار المتراكم من أزمات سابقة”.

ويضيف أن تكلفة إعادة بناء المساكن والبنى الأساسية قد تتجاوز مليارات الدولارات إذا استمر تقييم الأضرار بالوتيرة الحالية.

الجنوب اللبناني الأكثر تضرراً

كانت القرى الحدودية في الجنوب الأكثر تعرضاً للدمار نتيجة العمليات البرية والقصف المكثف. وتحدثت تقارير ميدانية عن تدمير واسع للمنازل والمنشآت الزراعية والطرقات في عدد من البلدات الواقعة قرب الحدود.

ويرى الباحث في الشؤون الاستراتيجية الدكتور قاسم قصير أن الجنوب تحول مجدداً إلى خط مواجهة رئيسي، ما أدى إلى تراجع النشاط الاقتصادي والزراعي بشكل حاد.

ويقول إن “الضرر لا يقتصر على الأبنية فقط، بل يمتد إلى البنية الإنتاجية للمجتمعات المحلية التي تعتمد بصورة كبيرة على الزراعة والتجارة الحدودية والخدمات”.

أزمة نزوح هي الأكبر منذ سنوات

واحدة من أبرز النتائج المباشرة للحرب تمثلت في موجات النزوح الواسعة. وتشير التقديرات الرسمية إلى أن أكثر من 1.2 مليون شخص اضطروا إلى مغادرة منازلهم بسبب القصف أو أوامر الإخلاء.

وتوزع النازحون بين مناطق لبنانية مختلفة، فيما لجأ بعضهم إلى المدارس والمراكز الجماعية أو إلى منازل أقاربهم.

وترى الباحثة الاجتماعية الدكتورة منى فياض أن تداعيات النزوح تتجاوز الجانب الإنساني المباشر، موضحة أن “التهجير الجماعي يؤدي إلى ضغوط كبيرة على الخدمات العامة والتعليم والرعاية الصحية، كما يخلق تحديات اجتماعية واقتصادية قد تستمر حتى بعد توقف القتال”.

وتضيف أن عودة السكان إلى مناطقهم لن تكون سهلة في ظل حجم الدمار وانعدام الثقة بإمكانية استمرار الهدوء.

اقتصاد يترنح تحت الضربات

دخل لبنان الحرب وهو يواجه بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في العالم الحديث. ومنذ عام 2019 يعاني البلد من انهيار مالي ونقدي أدى إلى تراجع قيمة العملة الوطنية وتدهور مستويات المعيشة.

وجاءت الحرب لتضيف أعباء جديدة على الاقتصاد المنهك. فقد تراجعت الحركة التجارية والسياحية، وتعطلت قطاعات الإنتاج والخدمات في مناطق واسعة، فيما ارتفعت تكاليف النقل والتأمين والطاقة.

ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور نسيب غبريل أن الحرب “عمّقت حالة عدم اليقين لدى المستثمرين وأخرت أي فرص جدية للتعافي الاقتصادي”.

ويشير إلى أن الانكماش المتوقع للناتج المحلي خلال عام 2026 قد يؤدي إلى مزيد من الضغوط على المالية العامة وسوق العمل، خصوصاً مع ارتفاع معدلات البطالة والفقر.

تأثير مباشر على الاستثمار والسياحة

من أكثر القطاعات تضرراً قطاع السياحة الذي كان يعول عليه كثيرون لاستعادة جزء من النشاط الاقتصادي. فقد ألغيت رحلات وحجوزات عديدة خلال فترة الحرب، كما تراجعت حركة المسافرين والاستثمارات الأجنبية.

ويؤكد الخبير الاقتصادي مروان بركات أن صورة لبنان كوجهة سياحية واستثمارية تعرضت لانتكاسة جديدة، موضحاً أن “المستثمرين يبحثون عن الاستقرار أولاً، والحرب أعادت المخاطر السياسية والأمنية إلى الواجهة”.

ويرى أن عملية استعادة الثقة قد تحتاج إلى وقت طويل وإلى ضمانات سياسية وأمنية واضحة.

تحديات إعادة الإعمار

مع اقتراب وقف العمليات العسكرية، يبرز ملف إعادة الإعمار بوصفه التحدي الأكبر أمام الحكومة اللبنانية. فالموارد المحلية محدودة، فيما لا تزال المساعدات الدولية مشروطة بإصلاحات اقتصادية وإدارية.

ويقول الخبير المالي الدكتور توفيق كسبار إن لبنان سيحتاج إلى مزيج من التمويل الخارجي والإصلاح الداخلي إذا أراد إطلاق عملية إعادة إعمار مستدامة.

ويضيف أن “أي مساعدات دولية لن تكون كافية إذا لم تترافق مع إصلاحات تعالج أسباب الانهيار المالي والإداري الذي سبق الحرب”.

هل يفتح الاتفاق الأمريكي الإيراني باب التهدئة؟

يرى مراقبون أن التفاهم الأمريكي الإيراني الأخير قد يوفر فرصة لاحتواء التصعيد الإقليمي، ما ينعكس إيجاباً على الساحة اللبنانية. غير أن خبراء يحذرون من أن وقف إطلاق النار لا يعني بالضرورة انتهاء التوترات.

ويقول أستاذ العلاقات الدولية الدكتور خليل الحلو إن “التحدي الحقيقي يبدأ بعد توقف القتال، لأن معالجة آثار الحرب وإعادة بناء الثقة بين الأطراف المختلفة ستكون مهمة أكثر تعقيداً من الوصول إلى وقف إطلاق النار نفسه”.

مستقبل غامض

رغم الآمال المرتبطة بعودة الهدوء، فإن لبنان يقف اليوم أمام واقع شديد الصعوبة. فالبلاد تواجه آلاف الضحايا، ومئات آلاف النازحين، ودماراً واسعاً في البنية التحتية، واقتصاداً يرزح تحت أعباء متراكمة منذ سنوات.

ويجمع الخبراء على أن نجاح لبنان في تجاوز هذه المرحلة لن يعتمد فقط على وقف الحرب، بل على قدرته على إطلاق إصلاحات حقيقية، واستقطاب الدعم الدولي، وإعادة بناء المؤسسات والثقة العامة.

وبينما تتراجع أصوات المدافع تدريجياً، تبقى الأسئلة الكبرى معلقة حول حجم الموارد المطلوبة لإعادة الإعمار، وقدرة الدولة على تلبية احتياجات المواطنين، وإمكانية تحويل الهدوء الحالي إلى استقرار دائم يجنّب لبنان جولات جديدة من الصراع والدمار.

اترك تعليقا