روسيا والاتفاق الأمريكي الإيراني
بين هواجس النفوذ ومكاسب البراغماتية
- السيد التيجاني
- 16 يونيو، 2026
- تقارير
- الاتفاق الأمريكي الإيراني, الولايات المتحدة, روسيا, طهران, موسكو
أثار الإعلان عن التفاهم الأمريكي الإيراني موجة واسعة من التحليلات داخل الأوساط السياسية والفكرية الروسية، حيث تنظر موسكو إلى هذا التطور من زاويتين متناقضتين؛ الأولى ترتبط بالمكاسب الاستراتيجية الناتجة عن خفض التوتر في الشرق الأوسط، والثانية تتعلق بالمخاوف من أن يتحول الاتفاق إلى أداة أمريكية لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية وتقليص النفوذ الروسي في المنطقة.
ورغم الترحيب الروسي الرسمي بأي مسار دبلوماسي يجنّب المنطقة حرباً واسعة النطاق، فإن مراكز التفكير الروسية المقربة من دوائر صنع القرار لا تخفي قلقها من التداعيات طويلة المدى التي قد تنجم عن تقارب أمريكي إيراني ناجح، خاصة إذا أدى ذلك إلى تخفيف عزلة طهران الدولية وإعادة دمجها تدريجياً في النظام الاقتصادي العالمي.
موسكو تفضّل الاستقرار لكنها لا تثق بواشنطن
منذ اندلاع الحرب الأوكرانية أصبحت روسيا أكثر حساسية تجاه أي تحولات جيوسياسية قد تمنح الولايات المتحدة فرصاً إضافية لتعزيز نفوذها الدولي. ولهذا تنظر موسكو إلى الاتفاق الأمريكي الإيراني باعتباره تطوراً إيجابياً من ناحية منع التصعيد العسكري، لكنها تتعامل معه بحذر شديد بسبب الشكوك العميقة تجاه الأهداف الأمريكية الحقيقية.
وترى النخب الروسية أن أي مواجهة عسكرية مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران كانت ستخلق بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، بما يهدد مصالح موسكو في الشرق الأوسط ويستنزف أحد أهم شركائها الإقليميين. كما أن اندلاع حرب واسعة كان سيؤدي إلى اضطرابات في أسواق الطاقة العالمية ويهدد الممرات التجارية التي تراهن عليها روسيا لتعزيز تجارتها مع آسيا.
لكن في المقابل، تخشى موسكو أن يكون الاتفاق جزءاً من استراتيجية أمريكية أوسع تهدف إلى إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية، وإبعاد إيران تدريجياً عن روسيا والصين، أو على الأقل تقليل مستوى اعتمادها عليهما في المجالات الاقتصادية والعسكرية.
وتعتقد بعض الأوساط الروسية أن واشنطن تسعى إلى تحقيق اختراق سياسي مع طهران يسمح لها بإدارة ملفات الشرق الأوسط بصورة أكثر مرونة، مع التركيز على المنافسة الاستراتيجية مع روسيا والصين في مناطق أخرى من العالم.
النفط والطاقة.. مكاسب محسوبة ومخاطر محتملة
في الجانب الاقتصادي، تبدو الحسابات الروسية أكثر تعقيداً. فعودة الاستقرار بين واشنطن وطهران قد تسهم في تجنب صدمات حادة في أسواق النفط، وهو أمر يصب في مصلحة الاقتصاد الروسي الذي يعتمد بدرجة كبيرة على عائدات الطاقة.
وتدرك موسكو أن أي حرب واسعة في الخليج كانت ستدفع أسعار النفط إلى مستويات غير مستقرة يصعب التنبؤ بنتائجها على المدى الطويل. كما أن استمرار التوتر العسكري كان سيؤثر على حركة التجارة والطاقة العالمية، بما ينعكس سلباً على الأسواق الدولية.
غير أن المكاسب الروسية ليست مطلقة. فرفع العقوبات عن إيران أو تخفيفها بشكل كبير قد يؤدي إلى زيادة الصادرات النفطية الإيرانية نحو الأسواق العالمية، وهو ما يخلق منافسة إضافية للنفط الروسي، خاصة في الأسواق الآسيوية التي أصبحت تمثل الوجهة الرئيسية للصادرات الروسية منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية.
ورغم ذلك، يعتقد العديد من الخبراء الروس أن التنسيق داخل إطار “أوبك بلس” قد يسمح بإدارة هذه المنافسة بطريقة تقلل من آثارها السلبية. فروسيا والسعودية وإيران تمتلك جميعها مصلحة مشتركة في منع انهيار الأسعار والحفاظ على توازن السوق العالمية.
ومن هذا المنطلق، تنظر موسكو إلى عودة النفط الإيراني باعتبارها تحدياً يمكن احتواؤه عبر التفاهمات داخل تحالفات الطاقة، وليس تهديداً وجودياً للمصالح الروسية.
خسارة محتملة لورقة النفوذ العسكري
أحد أبرز مصادر القلق الروسي يتمثل في الجانب العسكري والتقني للعلاقات مع إيران. فخلال السنوات الماضية فرضت العقوبات الغربية على طهران وموسكو واقعاً جديداً دفع البلدين إلى توسيع نطاق التعاون الدفاعي والتكنولوجي.
وقد استفادت روسيا من الخبرات الإيرانية في بعض المجالات المرتبطة بالطائرات المسيرة، بينما استفادت إيران من التكنولوجيا والخبرات الروسية في قطاعات مختلفة. ومع تصاعد الضغوط الغربية على الطرفين، تحولت هذه الشراكة إلى عنصر مهم في حسابات الأمن القومي لكليهما.
لكن نجاح الاتفاق مع الولايات المتحدة قد يفتح أمام إيران أبواباً جديدة للحصول على التكنولوجيا والاستثمارات من أطراف متعددة، وهو ما قد يقلل تدريجياً من اعتمادها على روسيا كمصدر رئيسي للتعاون العسكري.
كما تخشى موسكو أن يؤدي تحسن العلاقات الإيرانية الغربية إلى تقليص قدرتها على استخدام الملف الإيراني كورقة ضغط في صراعاتها الأوسع مع الغرب، خصوصاً أن إيران تمثل أحد أهم الشركاء غير الغربيين الذين حافظوا على مستوى عالٍ من التنسيق مع روسيا خلال السنوات الأخيرة.
سوريا والقوقاز في قلب الحسابات الروسية
لا تنحصر المخاوف الروسية في الجانب الاقتصادي أو العسكري فقط، بل تمتد إلى الملفات الإقليمية الحساسة، وعلى رأسها سوريا ومنطقة القوقاز.
ففي سوريا نجحت موسكو وطهران خلال السنوات الماضية في بناء شراكة ميدانية وسياسية أسهمت في تثبيت موازين القوى على الأرض. وأي تغيير جوهري في توجهات السياسة الخارجية الإيرانية قد ينعكس على طبيعة هذا التنسيق.
ورغم أن الخبراء الروس لا يتوقعون تحولاً جذرياً في موقف إيران تجاه سوريا، فإنهم يرون أن تخفيف الضغوط الدولية على طهران قد يمنحها هامشاً أوسع لصياغة سياسات أكثر استقلالية بعيداً عن الضرورات التي فرضتها العقوبات.
أما في منطقة القوقاز، فتراقب موسكو بدقة أي تطورات قد تؤثر على شبكات النفوذ الإقليمي. فروسيا تعتبر هذه المنطقة جزءاً من مجالها الحيوي التقليدي، وتخشى من أن تستغل القوى الغربية أي انفتاح على إيران لتعزيز حضورها السياسي والاقتصادي بالقرب من الحدود الروسية.
شراكة مؤسسية بدل التحالف الاضطراري
استجابة لهذه التحديات المحتملة، يتوقع مراقبون أن تعمل موسكو على تسريع عملية تحويل علاقتها مع إيران من شراكة فرضتها الظروف والعقوبات إلى تحالف مؤسسي طويل الأمد قائم على المصالح المشتركة.
ويبرز في هذا السياق مشروع ممر النقل الدولي “الشمال – الجنوب”، الذي يربط روسيا بالمحيط الهندي عبر الأراضي الإيرانية، باعتباره أحد أهم المشاريع الاستراتيجية التي تراهن عليها موسكو لتعزيز ارتباطها الاقتصادي بطهران.
كما تسعى روسيا إلى توسيع التعاون في مجالات الطاقة والسكك الحديدية والاستثمارات الصناعية والتكنولوجيا، بهدف خلق شبكة مصالح متبادلة تجعل من الصعب على أي تغير سياسي مستقبلي إضعاف العلاقات بين البلدين.
ويعتقد بعض الخبراء الروس أن أفضل وسيلة لمواجهة أي محاولات أمريكية لاستقطاب إيران هي تعزيز الترابط الاقتصادي والاستراتيجي معها، بحيث تصبح العلاقة قائمة على المصالح البنيوية لا على الضرورات السياسية المؤقتة.
العلاقات مع إسرائيل.. برود متزايد
في المقابل، تشير معظم التقديرات الروسية إلى أن العلاقات بين موسكو وإسرائيل ستظل تمر بمرحلة من الفتور والتوتر النسبي.
فمنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا شهدت العلاقات بين الجانبين تراجعاً ملحوظاً بسبب المواقف الإسرائيلية المتعاطفة مع كييف، إضافة إلى الخلافات المتزايدة حول ملفات إقليمية مختلفة.
وترى موسكو أن إسرائيل باتت أقرب إلى المعسكر الغربي مما كانت عليه في السابق، وهو ما يحد من فرص تطوير العلاقات الثنائية إلى مستويات أعلى.
وفي حال نجاح الاتفاق الأمريكي الإيراني، قد تجد روسيا نفسها أقل حاجة إلى لعب دور الوسيط أو الموازن بين طهران وتل أبيب، وهو الدور الذي منحها سابقاً هامشاً واسعاً للمناورة السياسية في الشرق الأوسط.
وبالتالي قد تتجه السياسة الروسية إلى التعامل مع إسرائيل بقدر أكبر من البرود، مع التركيز على أولويات أخرى أكثر ارتباطاً بمصالحها الاستراتيجية المباشرة.
مستقبل العلاقة بين موسكو وطهران
في المحصلة النهائية، لا تنظر روسيا إلى الاتفاق الأمريكي الإيراني باعتباره انتصاراً أو هزيمة، بل باعتباره تحولاً استراتيجياً يستوجب إعادة تقييم الحسابات الإقليمية والدولية.
فموسكو ترحب بإنهاء التوترات العسكرية التي تهدد استقرار المنطقة، لكنها تدرك في الوقت ذاته أن أي تقارب بين واشنطن وطهران قد يفرض تحديات جديدة على نفوذها ومكانتها في الشرق الأوسط.
ولهذا ستسعى خلال المرحلة المقبلة إلى تعميق شراكتها مع إيران، وتوسيع التعاون الاقتصادي والعسكري معها، مع المحافظة على قدر من المرونة يسمح لها بالتكيف مع أي متغيرات قد تفرزها المرحلة الجديدة.
وبين هواجس فقدان إحدى أهم أوراقها الجيوسياسية في المنطقة، ومكاسب الاستقرار التي تحتاجها أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي، تبدو روسيا اليوم أمام معادلة دقيقة تحاول إدارتها بواقعية وبراغماتية، دون أن تتخلى عن طموحها في البقاء لاعباً رئيسياً في معادلات الشرق الأوسط الجديدة.
