هل يقود الذكاء الاصطناعي إلى رفع كُلفة الرعاية الصحية؟

تقنيات جديدة تعزز كفاءة القطاع الطبي وترفع التكاليف

رغم الوعود الكبيرة التي يحملها الذكاء الاصطناعي لتحسين جودة الرعاية الصحية وتسريع التشخيص والعلاج، تشير تقديرات حديثة إلى أنه أصبح أحد العوامل التي تدفع تكاليف الرعاية إلى الارتفاع بدلاً من خفضها.

وبينما تتسابق المستشفيات وشركات التأمين لتبني هذه التقنيات، يبرز تساؤل جوهري حول ما إذا كانت فوائدها الاقتصادية ستنعكس فعلاً على المرضى أم ستقتصر على تعزيز إيرادات المؤسسات الصحية فقط.

ارتفاع التكاليف وتعقيد الفوترة..

توقعت شركة “برايس ووترهاوس كوبرز البريطانية”، (وتعتبر أحد أبرز بيوت الخبرة والاستشارات الإدارية ومراجعة حسابات المؤسسات في العالم)، في تقرير لها، ارتفاع التكاليف الطبية بنسبة 9% في سوق أصحاب العمل خلال العام المقبل، وبنسبة 8.5% في سوق التأمين الفردي.

وأرجعت الشركة جانباً مهماً من هذه الزيادة إلى توسع مقدمي الرعاية الصحية في استخدام “أدوات الذكاء الاصطناعي” الخاصة بالتوثيق والفوترة، بمعنى أن برامج الذكاء الاصطناعي تستمع إلى الحوار بين الطبيب والمريض، ومن ثم تقوم بإعداد تقريرًا طبيًا مفصلًا بالأعراض والتشخيص والفحوصات المطلوبة، وكذلك تقوم بمراجعة السجل الطبي، وتحليل التشخيصات والإجراءات، وبالتالي تقوم بتحديد المبالغ التي ستطالب بها المستشفى أو الطبيب شركة التأمين التابع لها المريض مقابل الخدمة المقدمة.

وبحسب التقرير، تسهم هذه التقنيات في التقاط تفاصيل أكثر دقة وتعقيداً داخل المطالبات الطبية، ما يؤدي إلى زيادة المبالغ التي تتحملها شركات التأمين، وبالتالي ترفع شركات التأمين أقساط التأمين على المريض لتعويض جزء من هذه الزيادة، وتشير البيانات إلى أن الزيادة لا ترتبط بارتفاع معدلات استخدام الخدمات الصحية بقدر ارتباطها بتحسين أساليب الترميز الطبي (تحويل التشخيص والإجراءات إلى أكواد رقمية)، ورفع قيمة المطالبات التأمينية (الفاتورة التي تُرسل لشركة التأمين من المستشفى).

حوافز السوق تدفع الإنفاق للأعلى..

يرى خبراء القطاع أن تأثير “الذكاء الاصطناعي” يتجاوز تحسين العمليات الإدارية، ليعزز نموذج الرعاية الصحية القائم على زيادة حجم الخدمات المقدمة مقابل تحقيق عائدات أكبر، ويؤكد مسؤولون تنفيذيون أن المؤسسات الصحية ستسعى بطبيعة الحال إلى توظيف التكنولوجيا بما يخدم مصالحها الاقتصادية ويعزز إيراداتها.

كما يتوقع مختصون أن يؤدي “الذكاء الاصطناعي” إلى تسريع تطوير أدوية وعلاجات جديدة، وهو ما قد يوسع الخيارات العلاجية المتاحة، لكنه في الوقت نفسه قد يضيف منتجات مرتفعة التكلفة إلى السوق، الأمر الذي يسرّع نمو الإنفاق الصحي خلال السنوات المقبلة.

بين الكفاءة وخفض النفقات مستقبلاً..

في المقابل، يرى عدد من الباحثين أن التركيز الحالي على الاستخدامات الإدارية للذكاء الاصطناعي يمثل مرحلة انتقالية فقط، وأن القيمة الحقيقية لهذه التكنولوجيا تكمن في تحسين نتائج المرضى والانتقال نحو رعاية صحية أكثر دقة واستباقية.

وتشير تقديرات مالية حديثة إلى أن شركات التأمين ستحقق مكاسب من خفض النفقات الإدارية بفضل الذكاء الاصطناعي، إلا أن المنافسة القوية داخل القطاع ستؤدي إلى تآكل هذه المكاسب مع مرور الوقت، أما المستشفيات الكبرى، فتبدو الأكثر قدرة على الاستفادة من هذه التقنيات نظراً لإمكاناتها المالية والتشغيلية.

ويبقى الرهان الأكبر على قدرة “الذكاء الاصطناعي” على دعم نماذج «الرعاية القائمة على القيمة»، التي تربط العائدات بالنتائج الصحية المحققة للمرضى بدلاً من عدد الخدمات المقدمة، وإذا نجحت هذه المقاربة في الانتشار، فقد يصبح “الذكاء الاصطناعي” أداة لخفض التكاليف وتحسين الكفاءة في آن واحد، بدلاً من أن يكون مجرد عامل جديد في تضخم فاتورة الرعاية الصحية.

اترك تعليقا