سردية الأقلية العلوية بين القومية والمواطنة
أحمد دعدوش يكتب
- dr-naga
- 6 يونيو، 2026
- حوارات ومقالات
- الإسلاموفوبيا, السوريين, الطوائف الأقلوية, العلمانية, الفقه, المواطنة, سردية الأقلية العلوية, سوريا, للفقه الإسلامي
النظام الأقلّوي العلوي في سوريا أقام سرديّته على أساس الخلفية القومية العروبية الاشتراكية كي يخرج من عقدة الأقلّوية ويستمد شرعيته من محيطه العربي ومن دعم المعسكر الشرقي، ثم صنع حصانته على أساس تجريم أي حديث عن الدين بحجة العلمانية والمواطنة، فنشأت أجيال من السوريين على الفوبيا من أي نقاش ديني، وخصوصا عندما يتعلق الأمر بمعتقدات الطوائف الأقلوية، أما نقد الإسلام السني فمرحّب به.
يمكنك مثلا أن تكون باحثًا أو صحفيا وتناقش أي مسألة عقدية أو فقهية تتعلق بثوابت الإسلام السني، ويمكنك أن تكون مهندسًا مثل محمد شحرور وتقدم مشروعا جديدا للفقه الإسلامي كله بناء على أصول الفقه الماركسية السوفييتية. حتى لو كنت مجرد سكّير عربيد ولديك اهتمام بالتجديد الديني فيحق لك أن تطرح رأيك في الإسلام السني بدون خوف. ففي أحد الأيام -قبل نحو عشرين سنة- دخلتُ حانة خمر (بار) في وسط دمشق لأسأل صاحبها عن عنوان مجاور، فسمعتُ طرفًا من النقاش بين صاحب الحانة (الساقي) وزبون عجوز، وكان حديث المُنادَمة على طاولة الخمر هو ضرورة تجديد الفقه الإسلامي التقليدي!
الممنوع (التابو) الوحيد الذي زرعه النظام الأقلّوي العلوي في عقول الجماهير هو الاقتراب من عقائد الأقليات، سواء كانت مسيحية أو شيعية أو باطنية (علوية ودرزية وإسماعيلية). النقد هنا ممنوع حتى لو كان فكريا تخصصيا، مع استثناءات بسيطة قد تُمرّر تحت المراقبة في أروقة كلية الشريعة لأبحاث الماجستير والدكتوراه، على ألا تقترب طبعًا من الباطنية تحديدًا. فحتى الكتب المرجعية (أمهات الكتب) التي كانت متاحة للباحثين في المكتبة الوطنية (مكتبة الأسد سابقا) كانت تُنزع منه الفصول المتعلقة بالباطنية، وخصوصا العلوية، وهذا ما وجدته بنفسي في كتاب إسلام بلا مذاهب للدكتور مصطفى الشكعة الذي نُزعت منه صفحات فصل “العلويين” تحديدا وتُركت فصول الدروز والإسماعيلية وبقية الفِرق. أما الكتب التخصصية التي كانت تتناول هذه “التابوهات” فقد يُسمح لطلاب الدراسات العليا بطلبها من قسم الإعارة وتحت طائلة المسؤولية، وربما لم يكن أحد يجرؤ على الطلب كي لا يتعرض للمساءلة.
النظام الأقلّوي العلوي سقط في مزبلة التاريخ قبل سنة ونصف، وهرب زعيمه (ذنب الكلب) إلى موسكو. لكن الكثير من أبناء الأقليات ما زالوا يحسبون أن معتقداتهم تتمتع بتلك الحصانة، وما زالوا يعانون من فوبيا النقد ويعتبرون أي محاولة لوضع معتقداتهم تحت مجهر التشريح ارتكابًا للجريمة الكبرى “الطائفية”، أما لو أسفر هذا التشريح عن كشف للفضائح الباطنية أو امتد لنقد العقل الجمعي الذي يتداخل فيه الدين بالسياسة، أو كشفَ جزءًا من عقيدة التوحش التي أنتجت مئات المقابر الجماعية في أنحاء سوريا، فهذا يُعتبر في العقل الجمعي الأقلوي “تحريضًا”، وهذا ما يتساوى فيه الأقلوي المثقف مع الأقلوي الشبيح الأمّي عندما يقبع كلاهما في صندوق العقل الأقلوي، ويشترك معهما فيه العلماني المنتمي بالوراثة للأكثرية عندما يقبع في صندوق العقل الليبرالي المهووس بالصوابية السياسية والإسلاموفوبيا.