مبادرات نوعية تحتضن مسلمي السويد

ستوكهولم ترسم طريق الاندماج

الرائد: في وقت تواجه فيه قضايا الهجرة والاندماج نقاشات حادة في القارة الأوروبية، تسعى ستوكهولم إلى تقديم نموذج إيجابي مغاير عبر تبني مبادرات اجتماعية تعزز مكانة المسلمين كشريك أصيل في بناء المجتمع السويدي. وترتكز هذه المشاريع على فتح قنوات تواصل ثقافية والتمكين الاقتصادي للشباب، في خطوة عملية تهدف إلى تفكيك الصور النمطية السلبية ومحاربة خطاب الإقصاء والتهميش.

تشهد السويد حراكاً اجتماعياً وثقافياً لافتاً في مجال دعم المجتمع المسلم، حيث تشير التقديرات الديموغرافية إلى أن نسبة المسلمين في السكان السويديين قد ارتفعت من حوالي 1% في عام 1990 إلى أكثر من 12% بحلول عام 2026 .

وفي هذا الإطار، صرح الدكتور لارس أندرسون، الباحث في جامعة ستوكهولم، بأن “المجتمع المسلم في السويد يسهم بشكل متزايد في الحياة العامة، من خلال المشاركة في التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية” .

من جانبه، علق البروفيسور يوهان نيلسون، مدير معهد الدراسات المستقبلية في ستوكهولم، قائلاً: “إن نموذج الرفاهية السويدي يوفر إطاراً داعماً لاندماج المهاجرين، لكنه يتطلب أيضاً تكيفاً من قبل المجتمعات الدينية مع القيم الديمقراطية والمساواة بين الجنسين” . وأضاف في دراسة حديثة أن “المنظمات الإسلامية في السويد تطور استراتيجيات جديدة للتكيف مع التحديات الاجتماعية والسياسية الراهنة”  .

التمكين الاقتصادي وبوابة سوق العمل
تأتي المشاريع الاقتصادية الموجهة للشباب في مقدمة أولويات الخطة الجديدة، حيث أطلقت بلدية ستوكهولم بالتعاون مع شركات القطاع الخاص برامج تدريب مهني مكثفة تستهدف فئة الشباب في المناطق ذات الكثافة السكانية المهاجرة. وتهدف هذه البرامج إلى تذليل العقبات البيروقراطية، وتوفير فرص عمل حقيقية وفرص تدريب ميداني، مما يساهم بشكل مباشر في الحد من معدلات البطالة وتعزيز شعور الأجيال الشابة بالاستقرار المالي والاجتماعي.
فضاءات ثقافية لتفكيك الأحكام المسبقة
وعلى الصعيد الثقافي، رعت العاصمة السويدية سلسلة من الفعاليات الفنية والمهرجانات المجتمعية المشتركة داخل المراكز الثقافية والمكتبات العامة. وتتيح هذه الأنشطة للمجتمع السويدي بمختلف أطيافه التعرف عن قرب على الثقافة والقيم الإسلامية، مما يساهم في خلق مساحات للحوار المباشر بعيداً عن التنميط الإعلامي، وتحويل التنوع الديني من نقطة خلاف إلى عنصر إثراء وتكامل داخل الهوية السويدية المعاصرة.
كما تنظم الجمعيات الإسلامية في السويد برامج دعم للأسر الشابة وكبار السن، بالإضافة إلى مبادرات لتعزيز المشاركة المدنية للشباب المسلم .

وصرحت السيدة عائشة كارلسون، مديرة جمعية “نور الشمال” في مالمو، بأن “تمكين المرأة المسلمة وتعليم الشباب يمثلان أولويات قصوى لبناء مستقبل مزدهر للمجتمع المسلم في السويد” .

وتستضيف ستوكهولم فعاليات “أسبوع الحوار بين الأديان” بمشاركة ممثلين عن المجتمعات الإسلامية والمسيحية واليهودية لتعزيز التفاهم المتبادل .

وعلق الأسقف إريك يوهانسون، ممثل الكنيسة السويدية، بأن “الحوار الصادق بين الأديان يمثل ركيزة أساسية للسلام الاجتماعي في مجتمع متعدد الثقافات” .

الشراكة مع المؤسسات الإسلامية والمجتمع المدني
ولضمان نجاح هذه المبادرات على المدى الطويل، حرصت الجهات الرسمية في ستوكهولم على بناء شراكات وثيقة مع الجمعيات والمراكز الإسلامية المحلية؛ إذ تُشرك هذه الجهات كعنصر استشاري وتنفيذي أساسي في تصميم البرامج الاجتماعية، مما يضمن تلبية الاحتياجات الفعلية للجالية، ويعزز من منسوب الثقة المتبادلة بين السلطات المحلية والمواطنين والمقيمين المسلمين، ليكونوا شركاء حقيقيين في حماية السلم الأهلي.

 التعليم كركيزة للاندماج وصناعة المستقبل

أما على صعيد التعليم، فقد ركزت المبادرات السويدية على تطوير برامج تعليمية تكميلية داخل المدارس والمراكز المجتمعية، تشمل دروساً لتقوية اللغة السويدية وتدريب أولياء الأمور على آليات التعامل مع النظام التعليمي المحلي. وتهدف هذه الخطوة إلى ردم الفجوة التعليمية بين أبناء الجالية، وضمان حصول الطلاب المسلمين على فرص عادلة تؤهلهم للالتحاق بالتعليم العالي، إلى جانب تنظيم ورش عمل مشتركة لمناقشة قيم المواطنة والتعددية داخل البيئة المدرسية.
وصرح الدكتور بيورن إريكسون، الباحث في المعهد السويدي للتعليم، بأن “دمج الاحتياجات الدينية في النظام التعليمي العام يعزز من شعور الطلاب المسلمين بالانتماء والمساواة” .

وتوقع الدكتور إبراهيم توران، الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية في ستوكهولم، أن “الفترة القادمة ستشهد تعزيزاً للشراكات بين المنظمات الإسلامية والمؤسسات الحكومية في السويد، مما يعزز من قدرة المجتمع المسلم على المساهمة في التنمية المستدامة والتماسك الاجتماعي”.

لغة الأرقام: الجالية المسلمة في السويد
وتأتي هذه الجهود المكثفة في وقت تشهد فيه الخارطة الديموغرافية في السويد تنوعاً ملحوظاً؛ إذ تُقدر التقارير الإحصائية المستقلة حجم الجالية المسلمة في البلاد بنحو 800 ألف إلى مليون نسمة، وهو ما يعادل تقريباً 8% إلى 10% من إجمالي عدد السكان البالغ حوالي 10.5 مليون نسمة. ويتركز الكتلة الأكبر من أبناء الجالية في المدن الكبرى وفي مقدمتها العاصمة ستوكهولم، مالمو، وغوتنبرغ، مما يجعل من نجاح خطط الاندماج في العاصمة مؤشراً حيوياً ومقياساً لتعميم التجربة على بقية المقاطعات السويدية.
يؤكد”نموذج ستوكهولم” أن الاندماج الحقيقي ليس مساراً أحادي الاتجاه يُفرض على المهاجرين، بل هو جهد مجتمعي مشترك يتطلب مرونة رسمية وانفتاحاً شعبياً. ومن خلال الاستثمار في التعليم، والاقتصاد، والثقافة، تقدم العاصمة السويدية دليلاً عملياً على أن الاعتراف بالخصوصيات الدينية والثقافية للمجتمع المسلم وتأمين متطلباته، هو السبيل الأمثل لتحصين المجتمعات ضد التطرف والتهميش، وبناء هوية وطنية جامعة تتسع للجميع.
مستفاد من الذكاء الاصطناعي

اترك تعليقا