الجدّة فاطمة عبيد في ذكري النكبة
الذاكرة الفلسطينية عصية على المحو
كانت خيوط الشمس الأولى المتسللة عبر شقوق خيمة النزوح تلامس وجه الجدّة فاطمة عبيد، وكأنها تذّكرها بملامح حي الشجاعية العريق حيث ولدت ونشأت. هناك، في ذلك الحي الذي يحمل عبق التاريخ شرق غزة، عاشت فاطمة طفولتها، وقبل أن تكمل جيل المراهقة، باغتتها نكبة عام 1948 بتطهيرها العرقي وتهجيرها القسري. طُردت مع مئات الآلاف، لكن قلبها ظل معلقاً بالشجاعية التي عادت إليها لاحقاً بعد هدنة عام 1949، لتتزوج من ابن عمها وتبني بيتاً لم تكن تعلم أن الزمان سيعيد هدمه بعد عقود.
النكبة الجديدة :
خمسة وسبعون عاماً مضت، لترتعد الأرض مجدداً تحت قدمي الجدّة ذات الخمسة والتسعين عاماً، معلنةً بداية نكبة جديدة، لكنها هذه المرة تفوق في وحشيتها كل ما اختزنته ذاكرتها القديمة. تنظر فاطمة إلى القطاع الذي استقبل عام 1948 مئات الآلاف من المهجرين، حتى غدا اللاجئون وأحفادهم يشكلون اليوم 73% من سكانه بواقع 1.6 مليون نسمة، وتتساءل كيف تحول الملجأ الآمن إلى ساحة للإبادة المحتوية على الموت من كل جانب.
مأساة تتجاوز الأرقام:
منذ أكتوبر 2023، تحولت حياة الجدّة التسعينية إلى ترحال مرير، حيث نزحت أكثر من 10 مرات، تاركة خلفها بيتها وحيها الذي سحقته الطائرات تماماً وتحول إلى ركام ابتلعته ما تُسمى “المنطقة العازلة”. لم تكن تلك الهزات المتتالية تسرق الجدران والذكريات فحسب، بل كانت تقتلع قطعاً من روحها؛ فقد استهدفت الغارات عائلتها الممتدة، لترتقي روح أكثر من 70 شهيداً من دماء فاطمة، في مجزرة شملت ثلاثة أجيال من أبنائها، أحفادها، وأحفاد أحفادها الصغار.
تجلس فاطمة اليوم وسط الشتات الجديد، شاخصة ببصرها نحو أفق غزة المثقل بالدخان، تروي لأحفادها الناجين كيف سلبوا منها الأرض مرتين. ومع كل دمعة تترقرق في عينيها الغائرتين، تظل قصة فاطمة عبيد شاهداً حياً على شعب يرفض الامحاء، يلملم جراحه من بين الركام، ويورث الأجيال مفتاحاً وبيتاً هُدم، لكن أساساته ما زالت راسخة في عمق الأرض.
شهداء العائلة
تُشير الإحصائيات الموثقة والشهادات المباشرة لعائلة الجدة فاطمة عبيد (95 عاماً)، الناجية من نكبة 1948 والنازحة من حي الشجاعية، إلى الأرقام الدقيقة التالية المتعلقة بحجم الفقد الذي لحق بعائلتها:
إجمالي عدد الشهداء: فقدت الجدة فاطمة أكثر من 70 فرداً من عائلتها الممتدة (عائلة عبيد) نتيجة القصف الإسرائيلي المباشر والمتتابع على المربعات السكنية في حي الشجاعية شرق مدينة غزة.
الأجيال المستهدفة: توزعت قائمة الشهداء السبعين لتشمل 3 أجيال متلاحقة من نسلها المباشر وأقاربها، وهم:
الأبناء (الجيل الأول من أبنائها).
الأحفاد (الجيل الثاني).
أحفاد الأحفاد (الجيل الثالث، ويشمل ذلك أطفال الأحفاد وأبناء إخوتها وأطفالهم الصغار).
تُمثل قصة الجدّة فاطمة عبيد تجسيداً حياً لـ “النكبة المستمرة” التي يعيشها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، حيث لم تكن الأرقام السبعون لشهداء عائلتها مجرد إحصاءات عابرة، بل قطعاً نُزعت من روح تسعينية عاصرت اقتلاع الجسد من الأرض مرتين.
إن صمود هذه الجدّة بين ركام حي الشجاعية وتحت خيام الشتات الجديد يبعث برسالة واضحة؛ أن الذاكرة الفلسطينية عصية على المحو، وأن حكايات اللجوء والدم والشهادة التي تنقلها للأحفاد هي الميثاق الأبدي الذي يضمن بقاء القضية حية، جيلًا بعد جيل، حتى العودة.