غموض التسرب النفطي قرب خارك الإيرانية
ما يثير مخاوف بيئية متصاعدة
- السيد التيجاني
- 13 مايو، 2026
- تقارير
- الخليج العربي, النفط الإيراني, تسريب نفطي, مخاوف بيئية متصاعدة
أثارت التقارير المتداولة بشأن رصد بقع يُشتبه بأنها نفطية قرب جزيرة خارك في الخليج العربي جدلاً واسعاً خلال الأيام الماضية، بعدما أظهرت صور أقمار صناعية تغيرات واضحة على سطح المياه غرب الجزيرة، التي تُعد الشريان الرئيسي لصادرات النفط الإيرانية.
وبينما نفت السلطات الإيرانية وقوع أي تسرب من منشآتها النفطية، محمّلة ناقلة أجنبية مسؤولية التلوث، حذر خبراء بيئيون من خطورة أي تلوث محتمل في تلك المنطقة الحساسة، لما قد يسببه من أضرار بيئية واقتصادية واسعة النطاق.
الرواية الإيرانية الرسمية
أكدت شينا أنصاري، نائبة الرئيس الإيراني ورئيسة منظمة حماية البيئة، أن المؤشرات الأولية لا تدل على وقوع تسرب من البنية التحتية النفطية الإيرانية.
وقالت أنصاري إن نتائج الرصد البيئي تشير إلى أن البقعة المرصودة ناتجة على الأرجح عن قيام ناقلة غير إيرانية بتفريغ مياه صرف ملوثة بالمخلفات النفطية في مياه الخليج، مضيفة أن عمليات الفحص لم تكشف عن أي خلل في خطوط الأنابيب أو خزانات النفط أو مرافق التحميل التابعة لإيران.
كما شددت السلطات الإيرانية على أن جزيرة خارك ومنشآتها النفطية تعمل بصورة طبيعية، مؤكدة استمرار عمليات التصدير دون أي تأثير مباشر.
وكانت شركة الموانئ النفطية الإيرانية قد أعلنت في وقت سابق أن فرق التفتيش أجرت مراجعات ميدانية شاملة لجميع المنشآت القريبة من الجزيرة، ولم ترصد أي تسرب نفطي من البنية التحتية التابعة لقطاع النفط الإيراني.
صور الأقمار الصناعية تثير التساؤلات
ورغم النفي الرسمي، أعادت صور الأقمار الصناعية النقاش بشأن احتمالية وقوع تلوث نفطي واسع.
وأظهرت صور التقطتها أقمار “سنتينل-1″ و”سنتينل-2″ و”سنتينل-3” التابعة لبرنامج كوبرنيكوس الأوروبي خلال الفترة بين السادس والثامن من مايو الجاري بقعة رمادية وبيضاء ممتدة غرب جزيرة خارك، تغطي مساحة كبيرة من المياه.
وبحسب محللين في مجال الاستشعار عن بُعد، فإن شكل البقعة وتوسعها التدريجي قد يشيران إلى وجود مواد هيدروكربونية على سطح البحر، إلا أن الصور الفضائية وحدها لا تكفي لتأكيد طبيعة المادة المتسربة بشكل قاطع دون تحاليل ميدانية مباشرة.
وأوضح خبراء أن صور الرادار الفضائي عادة ما تُظهر النفط على هيئة بقع داكنة نتيجة تأثيره على حركة الأمواج السطحية، لكن بعض الظواهر الطبيعية أو مخلفات السفن قد تُحدث تأثيراً مشابهاً، وهو ما يزيد من صعوبة الجزم بالمصدر الحقيقي للتلوث.
أهمية جزيرة خارك الاستراتيجية
تكتسب جزيرة خارك أهمية استثنائية بالنسبة لإيران، إذ تُعتبر المركز الرئيسي لصادرات النفط الإيرانية عبر الخليج العربي.
وتقع الجزيرة التابعة لمحافظة بوشهر على بعد نحو 30 كيلومتراً من الساحل الإيراني، وتضم مرافق ضخمة لتخزين وتحميل النفط الخام، كما تمر عبرها النسبة الكبرى من صادرات إيران النفطية.
ويقول خبراء في شؤون الطاقة إن أي حادث بيئي أو أمني في محيط خارك يثير قلق الأسواق الدولية، لأن الجزيرة تمثل أحد أهم مراكز تصدير النفط في الشرق الأوسط.
وأشار الباحث في شؤون الطاقة الدكتور كامل الحرمي إلى أن خارك تُعد “قلب صادرات النفط الإيرانية”، موضحاً أن أي اضطراب فيها قد يؤثر على سلاسل الإمداد وأسعار النفط العالمية، خصوصاً في ظل التوترات الإقليمية الحالية.
وأضاف أن إيران تحرص دائماً على نفي أي تسرب من منشآتها النفطية بسبب التداعيات الاقتصادية والسياسية المحتملة، خاصة مع العقوبات المفروضة على قطاعها النفطي.
المخاطر البيئية المحتملة
ويرى خبراء البيئة البحرية أن أي تسرب نفطي في الخليج العربي قد تكون له آثار طويلة الأمد، نظراً للطبيعة شبه المغلقة للخليج وضعف حركة تجدد المياه فيه مقارنة بالمحيطات المفتوحة.
وقال الخبير البيئي الدكتور محمد بن دينة إن النفط المتسرب يمكن أن يسبب أضراراً مباشرة للكائنات البحرية والشعاب المرجانية والثروة السمكية، إضافة إلى تأثيره على الطيور البحرية والسواحل.
وأوضح أن البقع النفطية تمنع وصول الأكسجين والضوء إلى الكائنات الحية الدقيقة، ما يؤدي إلى اختلال النظام البيئي البحري، مشيراً إلى أن بعض آثار التلوث قد تستمر لسنوات.
كما حذرت تقارير بيئية دولية سابقة من أن الخليج العربي يُعد من أكثر المناطق البحرية حساسية للتلوث النفطي، بسبب كثافة حركة ناقلات النفط والمنشآت البترولية المنتشرة فيه.
ناقلات النفط تحت المجهر
أعادت الحادثة أيضاً تسليط الضوء على ممارسات بعض ناقلات النفط في المنطقة، خاصة ما يتعلق بتفريغ المياه الملوثة بالمخلفات النفطية.
وبحسب خبراء ملاحة بحرية، فإن بعض السفن تلجأ أحياناً إلى التخلص من مياه الصرف أو بقايا النفط في البحر بصورة غير قانونية لتقليل تكاليف المعالجة والتخلص الآمن من النفايات.
وقال الخبير البحري الكابتن محمد الشمري إن تحديد مصدر أي تلوث بحري يحتاج إلى بيانات دقيقة تشمل حركة السفن واتجاهات الرياح والتيارات البحرية ونتائج التحاليل الكيميائية للمياه.
وأضاف أن صور الأقمار الصناعية تمثل مؤشراً مهماً، لكنها لا تُعتبر دليلاً نهائياً بمفردها، داعياً إلى إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة لتحديد المسؤولية.
ردود الفعل الإقليمية والدولية
ورغم عدم صدور مواقف دولية حادة حتى الآن، فإن الحادثة أثارت اهتماماً واسعاً لدى المتابعين لأسواق الطاقة والمنظمات البيئية.
وتراقب شركات الشحن والطاقة التطورات في الخليج بحذر، خاصة مع حساسية المنطقة التي تمر عبرها نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية.
كما عبّر ناشطون بيئيون عن مخاوفهم من أن يؤدي أي تلوث كبير إلى تهديد الثروة السمكية في الخليج، إضافة إلى الأضرار المحتملة على سواحل الدول المجاورة.
وفي المقابل، اعتبر مراقبون أن سرعة النفي الإيراني تعكس حرص طهران على منع أي تأثير سلبي على صادراتها النفطية أو سمعتها في سوق الطاقة الدولية.
البعد السياسي والأمني
لا تنفصل قضية التسرب المحتمل عن المشهد السياسي والأمني المعقد في الخليج.
فالمنطقة تشهد توترات متصاعدة مرتبطة بالملاحة البحرية والملف النووي الإيراني والهجمات التي طالت ناقلات نفط خلال السنوات الماضية.
ويرى محللون أن أي حادث بيئي قرب المنشآت النفطية الإيرانية قد يتحول سريعاً إلى قضية سياسية، خصوصاً في ظل حالة التوتر بين إيران والولايات المتحدة وبعض القوى الغربية.
كما أن قرب جزيرة خارك من خطوط الملاحة الدولية يجعل أي حادث في المنطقة محل متابعة دقيقة من القوى الدولية المعنية بأمن الطاقة.
ماذا بعد؟
يتوقع خبراء أن تتواصل عمليات الرصد البيئي خلال الأيام المقبلة لتحديد طبيعة البقعة بشكل أكثر دقة، خاصة مع استمرار ظهور آثارها في صور الأقمار الصناعية الحديثة.
ومن المرجح أن تعتمد السلطات الإيرانية على تقارير فنية إضافية لإثبات روايتها بشأن مسؤولية ناقلة أجنبية عن التلوث، بينما قد تطالب جهات بيئية بإجراء تحقيقات مستقلة لضمان الشفافية.
ويرى مختصون أن الحادثة قد تدفع دول الخليج إلى تعزيز الرقابة على حركة السفن وعمليات التخلص من المخلفات النفطية، إلى جانب تطوير أنظمة الاستجابة السريعة للتلوث البحري.
وفي حال تأكد وقوع تسرب نفطي واسع، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام مطالبات بتشديد الإجراءات البيئية على شركات النقل البحري والمنشآت النفطية العاملة في المنطقة.
ومع استمرار الغموض، تبقى جزيرة خارك في قلب الاهتمام، ليس فقط باعتبارها مركزاً حيوياً لصادرات النفط الإيرانية، بل أيضاً كنقطة حساسة تعكس هشاشة التوازن البيئي والأمني في الخليج العربي.