الإخوة الأعداء

د محمد علي يوسف يكتب

في روايته الشهيرة الإخوة كارامازوف أو ما عُرف في بلادنا باسم “الإخوة الأعداء”، لم يحتج فيودور دوستويفسكي إلى تعدد العائلات والخصومات ليصنع الصراع الأدبي.

كان يكفيه أن يضع ثلاثة إخوة تحت سقف واحد.
أبٌ واحد، ودم واحد، وإرث واحد… لكن الأرواح بدت كأنها خرجت من عوالم متباعدة متنافرة.
أحدهم كان مندفعاً شهوانياً، حياته أشبه بعاصفة لا تكاد تهدأ، يتخبط بين الرغبات والاندفاعات ثم الندم المتكرر بعد كل كارثة.
والآخر بارد عقلاني، يراقب العالم بعين الشك والتجرد، ويحلل كل شيء حتى تكاد المشاعر نفسها تتآكل بداخله.
أما الثالث فكان أكثر صفاءً وطمأنينة، يحمل في روحه نزوعاً واضحاً نحو الرحمة والإيمان والتجاوز.
ثلاثتهم أبناء البيت ذاته.
لم يختلف الإرث… لكن اختلفت استجابة كل منهم لهذا الإرث وطريقته في حمله.
هذه الحقيقة الإنسانية القديمة، التي صورها دوستويفسكي ببراعة تتكرر داخل البيوت والعائلات والأمم
هي لم تكن أبدا حكراً على الروايات.
التاريخ نفسه يعج بنسخ واقعية ربما كان أشد وضوحا وقسوة.
ماركوس أوريليوس ذلك الإمبراطور الفيلسوف الذي اعتبره كثيرون أحد أعقل حكام روما وأكثرهم انضباطاً واتزاناً، انتهى به الأمر إلى توريث العرش لابنه كومودوس
ذلك الأخير تحول عبر صفحات التاريخ إلى رمز للفوضى والغرور والاستعراض الدموي.
كأن التاريخ يكرر القاعدة نفسها بإصرار ليس كل من ورث المجد يعرف كيف يصونه، وليس كل من وُلد داخل الإرث ينجح في الارتفاع إلى مستواه.
الصورة ذاتها تتكرر في أقصى الشرق مع جنكيز خان..
الرجل القوي الذي وحّد القبائل الممزقة وصنع واحدة من أعتى الإمبراطوريات العسكرية في التاريخ.
هو الآخر ترك أبناءً وأحفاداً ورثوا الجيوش نفسها والرعب نفسه والمساحات نفسها..
بعضهم حافظ على الانضباط الحديدي الذي بنى الإمبراطورية، بينما غرق آخرون في صراعات الدم والترف والتمزق الداخلي حتى بدأت الإمبراطورية العملاقة تتشقق من الداخل ببطء.
الإرث كان هائلاً… لكن القدرة على حمله لم تكن موزعة بالتساوي.
وحين كان هارون الرشيد يجلس على عرش الخلافة العباسية في ذروة مجدها، بدت الدولة وكأنها بلغت من القوة والاتساع ما يجعلها عصية على الاضطراب.
لكن المعضلة التي أرّقت الممالك الكبرى عبر العصور لم تكن يوماً في بناء الإرث… كانت فيمن سيرثه بعد ذلك.
لقد ترك الرشيد أبناءً يحملون الاسم ذاته والدم ذاته، لكنه كان يدرك أن النفوس لا تتشابه مهما توحدت السلالة.
لذلك حاول أن يمنع الكارثة قبل وقوعها؛ فقسّم ولاية العهد، وجعل محمد الأمين خليفة من بعده، ثم أخاه عبد الله المأمون ولياً للعهد بعده، ووُثقت العهود وأُعلنت على الملأ كأن الجميع يحاول إقناع نفسه أن هذا الترتيب يكفي لمنع الفتنة.
لكن الأخوين كانا مختلفين جداً..
نشأ الأمين قريباً من قلب بغداد وأجواء السلطان المترفة وهيبة الخلافة المستقرة مع امتداد عربي هاشمي من ناحية الأم أيضا. بينما كان المأمون أكثر ميلاً للعلم والسياسة والتفكير المركب وبناء التحالفات خصوصا مع أخواله من الفرس.
لقد ورثا الدولة نفسها… لكن كلا منهما حملها بروح مختلفة وانتماءات متباينة.
بعد حين تحولت الدولة القوية التي بناها الآباء إلى حرب أهلية طاحنة بين الإخوة واحترقت بغداد بفتنة مصدرها الإرث نفسه لكن النفوس التي حملته لم تكن سواء.
فإن كان هذا في شأن الإرث الدنيوي من مال أو سلطان فماذا عن الإرث الأعظم.. إرث الكتاب؟!
﴿ثُمَّ أَوۡرَثۡنَا ٱلۡكِتَـٰبَ ٱلَّذِینَ ٱصۡطَفَیۡنَا مِنۡ عِبَادِنَاۖ فَمِنۡهُمۡ ظَالِمࣱ لِّنَفۡسِهِۦ وَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدࣱ وَمِنۡهُمۡ سَابِقُۢ بِٱلۡخَیۡرَ ٰ⁠تِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ﴾
في هذه الآية الله سبحانه وتعالى لم يقل “فمنهم ظالم ومنهم مقتصد ومنهم سابق” ثم فصل كل فريق بمصير مستقل وبداية مستقلة…
لقد جمعهم جميعاً تحت مظلة الاصطفاء أولاً
﴿ٱلَّذِینَ ٱصۡطَفَیۡنَا مِنۡ عِبَادِنَا﴾
وكأن الرسالة الخفية هنا أن الطريق إلى الله ليس نادياً مغلقاً للكاملين فقط ولكنه ميدان واسع يتفاوت فيه السائرون ضعفاً وقوة وتعثرًا وسبقاً وربهم يعلم هشاشتهم أكثر مما يعلمونها هم عن أنفسهم.
الآية هنا لا تحدثنا عن ملائكة منزهين ولكن عن بشر من لحم ودم وطين اصطفاهم الله لحمل رسالته والإيمان بكتابه ويعلم سبحانه تماماً تفاوتهم وضعفهم وتباين مقاماتهم ففصلهم بعدله إلى ثلاث أصناف
ظَالِمࣱ لِّنَفۡسِهِۦ
مُّقۡتَصِدࣱ
وسَابِقُۢ بِٱلۡخَیۡرَ ٰ⁠تِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ
في العادة تتصدر النماذج المثالية قوائم الشرف لكن الترتيب القرآني هنا جاء مختلفا
لقد بدأ بالأسوأ.. الظالم لنفسه..
المتعثر في ذنوبه المنهك من هزائمه المتكررة أمام شهوته مع بقاء أصل الإيمان في قلبه وعدم خروجه من دائرة التوحيد. قُدِّم أولاً لئلا يقـ.تله اليأس وليخبره الله أن معاصيه ـ على فداحتها ـ لا تسلبه باب الرجاء ما دام لم ينقض أصل إيمانه ولم يغلق باب التوبة بيده.
ثم يأتي المقتصد..
ذلك الذي يكتفي بالنجاة الآمنة بتحفظ شديد..
يؤدي الفرائض ويجتنب الكبائر دون اجتهاد ملحوظ في نوافل القربات.
وأخيراً يأتي السابق..
هو الذي لم يكتفِ بالنجاة بل زاحم في مضمار الطاعات وسبق بخيره وهمته وإقباله على الله.
وهو في ذلك لم يكن مستقلا بجهده ولكن كان محض توفيق وفضل كما كل خير… بإذن الله.
التفاوت بينهم شاسع كما ترى ومسافات السير متباينة لكن المفاجأة الكبرى التي تكسر تصورات الوراثة التي تكون في الدنيا حين يحدث التباين فيكون الحكم باتاً على الوارث المفرط بقسوة الإبعاد المطلق..
﴿ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِیرُ﴾
كأن الفضل الكبير هنا ليس مقصوراً على منزلة السابق وحده كما قد يتبادر لأول وهلة ولكنه يكمن في أصل أن يُبقيك الله داخل دائرة الاصطفاء والإيمان رغم كل هذا التفاوت البشري الهائل بين السائرين إليه.
إن مجرد أن تكون من أهل “وراثة الكتاب” لا من المعرضين عنه بالكلية… هو في ذاته فضل عظيم لا يملكه الإنسان لنفسه ولا يشتريه بعمله المجرد ولكن يمنحه الله رحمةً لمن شاء من عباده.
لذا قال بعدها:
﴿جَنَّـٰتُ عَدۡنࣲ یَدۡخُلُونَهَا یُحَلَّوۡنَ فِیهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبࣲ وَلُؤۡلُؤࣰاۖ وَلِبَاسُهُمۡ فِیهَا حَرِیرࣱ﴾
بعض المفسرين يرون واو الجماعة في كلمة “يدخلونها” هي من أرجى ما في كتاب الله.
لقد شملت الثلاثة معاً عند جمهور أهل التفسير.
نعم… قد تبدو مفاجأة لكن هذا هو مقتضى الجمع في الكلمة..
الظالم والمقتصد والسابق.
ولو قصد السابق وحده لقيل جنات عدن يدخلها..
لكنه قال يدخلونها
السابق بسبقه والمقتصد باقتصاده وتحفظه وجميعهم لا يدخلونها إلا برحمة تتغمدهم كما تتغمد الظالم لنفسه إذا شاء رب لم يسلبه شرف الإيمان والانتساب إلى هذا الكتاب وإن استحق قبل ذلك تطهيراً أو حساباً بقدر ذنوبه.
إن المؤمن العاصي لا يُسوَّى بالكافر ولا يُخلَّد في النار ما دام معه أصل التوحيد والوراثة لكنه أيضاً ليس آمناً من العقوبة ولا مُعطى صك نجاة مطلقاً.
هي معادلة الرحمة والعدل معاً.
السباق في طاعة الله ليس ماراثوناً إقصائياً ينجو فيه الأول وحده ويُطرد الباقون.
وليس وراثة مال سيضيعه المسرف كله أو وراثة سلطانٍ ستسقط شرعيته ويزول ملكه بخطأ واحد.
إنه مضمار رحمة وعدل معاً.يبقى فيه باب العودة مفتوحاً ما دام في القلب أصل إيمان ينبض وما دام العبد لم يُلقِ بنفسه خارج دائرة العبودية لله كليةً.
والمطلوب فيه ألا يهدم الإنسان هذا الأصل أبدا وألا يستسلم لليأس استسلاماً يقطعه عن باب ربه حتى لو وصل مثقلاً بندوب المعارك وآثار السقوط الطويل.
فرب عبد جرّ نفسه إلى الله جراً فأوصله صدقه في آخر الطريق وقدمه على من ظن أنه قد ضمن الوصول.