دروس من مسرحية “عطيل ” وترجماتها

د عاطف معتمد يكتب

عطيل !
في عام 2016 رأيت ترجمات جديدة لأعمال وليم شكسبير تغمر منافذ بيع الكتب في شارع “أرباط” بالعاصمة موسكو. ومن بين الترجمات واحدة لمترجم شاب لمسرحية “أوتلُّو Othello”. المعروفة في النسخة العربية باسم “عطيل”.

موجز مسرحية “أوتلُّو Othello” يقوم على مأساة القائد الإفريقي الجسور ذي الأصل المغربي الذي رفعه الأوروبيون في فينيسيا (البندقية) إلى مصاف القائد العسكري العام للدفاع عن قبرص أمام الغزو العثماني.

عطيل الذي كان طيلة حياته جنديا عرف الحرب والقتال والأهوال والمهالك يُسلِم نفسه لحب فتاة جميلة ابنة أحد نبلاء البندقية ويتزوجها دون موافقة أبيها.

وبدلا من أن يعيش “عطيل” سنوات السعادة بعد الهلاك، والحب بعد الحرب، نجده يقع تحت تأثير “ياجو” ذلك الضابط المساعد له ومحل ثقته والقريب منه قرب النفس والروح من الجسد.

على أسس من اختلاف اللون والعرق والفارق العمري تمكن “ياجو” من زرع الشك في نفس “عطيل” فرأى الأخير في زوجته الجميلة كل علامات الخيانة، وتنتهي المسرحية بمقتل الجميع (عدا “ياجو” الذي لا يخبرنا شكسبير بوضوح أي مصير ينتظره).

“ياجو” مثال للشر الناعم الكامل الكامن في نفوسنا الذي لا يستخدم سوى سلاح التشكيك وزعزعة النفس. يتجاوز دور “ياجو” الشك المتعلق بعلاقة الرجل بالمرأة إلى مستويات إنسانبة أخرى في دوائر حياتنا.

تذكرت هذه الحكاية بينما أراجع الأسبوع الماضي النسخة التي نشرتها هنداوي لترجمة مسرحية “عطيل والتي ظهرت لأول مرة في عام 1912 من إعداد الشاعر المبدع خليل مطران، الذي لقب بشاعر القطرين: مصر والشام. وكان قد ترجمها لتقدم في شكل عرض مسرحي في القاهرة لفرقة جورج أبيض.

إن جذور ثقافة خليل مطران في جبل لبنان ثم انتقاله إلى مصر قدمت لنا قاموسا ثريا باللغة ومشحونا بتنويعات الجغرافيا، فضلا عن كفاحه السياسي وتنقلاته المهنية من عمل لآخر.

خليل مطران يترجم شكسبير، نحن هنا أمام شاعر يترجم لشاعر، وهي تجربة خاضها بعد ذلك شعراء عرب نذكر منها ترجمات الشاعر المصري الراحل رفعت سلام لأعمال الشاعر الروسي ألكسندر بوشكين، والتي وإن جاءت عن لغة وسيطة إلا أنها كانت نافذة إلى روح النص بشكل واضح بديع.

لم يترجم خليل مطران عطيل فحسب، بل ترجم مسرحيات أخرى لشكسبير مثل هاملت وتاجر البندقية ومكبث.

يستهل خليل مطران تقدمته لمسرحية عطيل بالبحث في معنى الاسم فيقول إنه أول من حول الاسم الأجنبي ” أوتلُّو Othello” إلى “عطيل” واقترح تفسيرا شكلانيا يقول فيه إن هذا الاسم أصله أن يكون “عطاء الله” ثم استبعد أن يكون هذا اسما مغربيا ورجح أن يكون الاسم الأصلي هو “عطيل” اشتقاقا من صفة “عاطل” عن الوسامة والجمال كعادة وصف العرب للأفارقة الذين جاءوا من الجنوب.

فالأصول العرقية لعطيل من أفريقيا ووصل إلى بلاد المغرب التي كانت خليطا من العرب والبربر والأفارقة، ومن هناك انتقل إلى فينيسيا (البندقية) في إيطاليا وأصبح بطلا شهيرا.

في حديثه عن كاتب المسرحية وموضوعها يقول خليل مطران:

“هو نابغة الأدهار في فنه، وضع مسرحيته لإظهار الغيرة وتأثيرها في الرجل، لذلك اختار عاشقا إفريقيا بدوي الفطرة، ليكون وثابَ الشعور عنيفه، عسكري المهنة، ليكون سريع التصديق والانخداع، مكتهلا أي في أول الانحدار من سن الأربعين، ليكون أشد في التعشق كما في شيمة أمثاله ممن يسطو عليهم الحب بعد انقضاء الشباب، وليكون أيضا في الحالة التي يتهم فيها الإنسان نفسه بفقدان اكثر الخلال التي يقضيها الغرام، ولا سيما حينما يكون المستهام أسود البشرة من أحلاس الحروب ، والمستهام بها بيضاء منعمة من قوم فسدة الأخلاق مترفين”.

يمضي خليل مطران في تقديمه البديع للترجمة فيقول إنه يجد في نفس شكسبير شيئا عربيا بلا منازعة، سواء أكان قرأ اللغة العربية بشكل مباشر أو قرأ منها من ترجمات أوروبية.

ويذهب خليل مطران في هذا الافتراض إلى أربعة أسباب:

– جرأة الاستعارة وذهابا بضروبها في كل مذهب
– الانتقال المفاجئ من غير تمهيد ولا استئذان
– الهيام في المبالغة الأدبية على طريقة شعراء العرب
– قوة العبارة ووضوحها وما تحمله من روح البداوة والفطرة الحرة.

في الرابط في أول تعليق ترجمة خليل مطران للمسرحية عام 1912، وقد صدرت بعدها ترجمات عديدة أحدثها في القاهرة قبل عدة سنوات.

وقد يجد النقاد في هذه المسرحية مصدرا للفنون والأدب المقارن، وقد يذهب فريق آخر إلى إعادة قراءة التاريخ وفق الرؤى الأدبية.

وقد يقف فريق ثالث طويلا عند المسألة العنصرية والتراتيب الهرمية في المجتمع الأوروبي الذي عاش طويلا على الاستعلاء وتصنيف الشعوب إلى درجات وفق لون البشرة وفسر سلوكهم وفق درجة الحرارة ورسم توقعات التعامل السياسي معهم وفق النظرية العنصرية الشهيرة التي ما تزال سارية إلى اليوم…في السلم والحرب.