المصلحة الوطنية.. كيف يستخدمها الغرب وإسرائيل لتبرير الانتهاكات؟

ازدواجية المعايير الغربية والإسرائيلية لتجاوز حقوق الإنسان

في عالم تتداخل فيه المصالح الجيوسياسية مع الالتزامات الأخلاقية والقانونية، يبرز مفهوم المصلحة الوطنية كأحد أكثر المصطلحات إثارة للجدل في العلاقات الدولية. فبينما يُفترض نظرياً أن تعكس المصلحة الوطنية أهداف الدولة المشروعة في حماية أمنها ورفاه مواطنيها، فإن الممارسة العملية تكشف عن استخدام انتقائي وأناني لهذا المفهوم لتبرير سياسات تنتهك حقوق الإنسان وتخرق مبادئ القانون الدولي،  والتدخل في سيادة الدول الأخرى.

المفهوم بين النظرية والتشويه

يعود أصل مفهوم المصلحة الوطنية أو مبرر الدولة إلى كتابات نيكولو مكيافيلي في القرن الخامس عشر، الذي رأى في كتابه الأمير أن الحفاظ على السلطة والنظام قد يتطلب اللجوء إلى وسائل لاأخلاقية، حيث تبرر الغاية الوسيلة. وفي العصر الحديث، حذر الفيلسوفة حنة أرندت من مخاطر الانتهاكات الممنهجة لحقوق الإنسان التي قد ينطوي عليها تطبيق شعار المصلحة الوطنية، موضحة في كتابها أصول الأنظمة الشمولية كيف تستخدم الأنظمة هذا المبدأ ذريعة لتبرير ممارسات تتنافى مع المبادئ الأخلاقية .

اليوم، يواجه هذا المفهوم تحدياً وجودياً: فبينما تدعي الدول الغربية التزامها بالقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، فإن سياساتها العملية تكشف عن فجوة عميقة بين الخطاب والممارسة، خاصة حين تتعارض هذه القيم مع ما تُعرّفه هذه الدول بمصلحتها الوطنية.

سياسات الترحيل في أوروبا: المصلحة الوطنية فوق الحقوق الإنسانية

في 26 مارس 2026، صوت البرلمان الأوروبي على لائحة العودة الجديدة التي تهدف إلى تسريع ترحيل المهاجرين الذين رُفضت طلبات لجوئهم، مع السماح بإنشاء محاور عودة في دول ثالثة خارج الاتحاد الأوروبي. وتتيح هذه اللائحة تمديد فترات الاحتجاز، وفرض عقوبات على المهاجرين الذين يرفضون المغادرة، وإجراء مداهمات منزلية للبحث عن أشخاص غير موثقين .

وتعقيباً على هذا التوجه، حذرت منظمة بيكوم وميدسين دو موند من أن اللائحة قد تسمح بمشاركة البيانات الطبية بين السلطات لأغراض الترحيل، مما يعني أن الناس سيتوقفون ببساطة عن طلب الرعاية الصحية التي يحتاجونها. وتقول سيلفيا كارتا، الناشطة في مجال حقوق المهاجرين: هذه السياسات قصيرة الأمد وتعكس الهوس المتنامي لدى الاتحاد الأوروبي بمنع الوصول وزيادة عمليات الإعادة، على حساب التزامه في مجال حقوق الإنسان .

وتتجاهل هذه السياسات حقيقة هيكلية مهمة: فبحسب بحث مشروع أي-كلايم الممول من الاتحاد الأوروبي، لا تنشأ الهجرة غير النظامية فقط من عبور الحدود، بل من خلال القواعد الأوروبية التي تعمل بشكل طبيعي: تصريح إقامة مرتبط بصاحب عمل واحد ينتهي بانتهاء الوظيفة، أو عتبة دخل لم تتحقق بعد سنة صعبة، أو انهيار عائلي يزيل الأساس القانوني للإقامة .

الولايات المتحدة: من نظرية الردع إلى واقع الانتهاك

في الولايات المتحدة، تتجلى المصلحة الوطنية في سياسات الهجرة عبر ممارسات تتعارض صراحة مع التزامات واشنطن الدولية. فبحسب الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية، تؤدي سياسات إنفاذ الهجرة الفيدرالية، بما في ذلك إجراءات إنفاذ الحدود، إلى زيادة التنميط العنصري، وعمليات القتل على الحدود، وحرمان المهاجرين من حقوق الإجراءات القانونية الواجبة .

ويوضح تقرير الاتحاد أن الحكومة الأمريكية تحتجز سنوياً مئات الآلاف من الأفراد في احتجاز هجرة إداري، بينهم طالبو لجوء ومقيمون منذ فترة طويلة وأطفال وأشخاص ذوو إعاقة، وقد يُحتجزون لشهور أو سنوات بينما تُنظر قضايا هجرتهم وأي استئنافات لاحقة.

ورغم سنوات من الدعوة والمزيد من الرقابة، لا تزال مرافق احتجاز الهجرة الأمريكية تعاني من ظروف لاإنسانية، بما في ذلك الإفراط في استخدام العزل الانفرادي والاعتداء الجنسي .

وتتفاقم هذه الانتهاكات في ظل إدارة ترامب الثانية، حيث تشير تقارير إلى أن نشر وكلاء الهجرة والجمارك الأمريكية كلف المدن ملايين الدولارات، وأرهق أقسام الشرطة، وأبعد الناس عن الرعاية الصحية وبرامج الغذاء والمدارس، وهي أضرار قد تستغرق سنوات لإصلاحها .

إسرائيل: المصلحة الوطنية كغطاء لانتهاك السيادة الدولية

تقدم إسرائيل نموذجاً صارخاً لاستخدام ذريعة المصلحة الوطنية لتبرير انتهاكات متكررة لسيادة دول أخرى. فمنذ إعلان قيامها سنة 1948، دأبت إسرائيل على انتهاك سيادة دول عدة، سواء من جيرانها أو من البعيدين عنها على الخريطة .

ومن أبرز هذه الانتهاكات:
– في 7 يونيو 1981، استهدفت مقاتلات إسرائيلية مفاعل تموز العراقي النووي ودمرته، في انتهاك صريح لميثاق الأمم المتحدة، ورغم إدانة مجلس الأمن للعملية بالقرار رقم 487، لم تتحمل إسرائيل أي تبعات قانونية حقيقية.
– في 1 أكتوبر 1985، أغارت طائرات إسرائيلية على ضاحية حمام الشط في تونس، مما أدى إلى استشهاد 50 فلسطينياً و18 تونسياً، وأصدر مجلس الأمن القرار رقم 573 الذي أدان إسرائيل وألزمها بالاعتذار والتعويض، لكن القرار بقي حبراً على ورق .
– في 9 سبتمبر 2025، استهدفت إسرائيل مقرات سكنية في الدوحة، وهو ما وصفته الخارجية القطرية بأنه اعتداء إجرامي يشكل انتهاكاً صارخاً لكافة القوانين والأعراف الدولية
– ⁠ما قام به الكيان منذ عام ٢٣ ضد غزة ولبنان من مجازر وابادة جماعية وجرائم حرب وتجريف البنى التحتية مما ادى لمقتل اكثر من مائة الف مدني وتضرر مئات الالاف وهدم بيوتهم بعد احداث طوفان الاقصى رغم كل الادانات الدولية والحقوقية والشعبية

ويعلق الدكتور محمد فايز فرحات، الخبير في الشؤون الدولية: إن استخدام إسرائيل لذريعة المصلحة الوطنية لتبرير انتهاكاتها يعكس ازدواجية المعايير في النظام الدولي، حيث تُمنح بعض الدول حصانة عملية من المساءلة رغم انتهاكاتها المتكررة للقانون الدولي .

النصوص القانونية التي تُنتهك تحت ذريعة المصلحة الوطنية

تتعارض سياسات الترحيل والتدخل العسكري التي تُبرر بالمصلحة الوطنية مع نصوص قانونية دولية واضحة:
مثل اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، التي تحظر في المادة 33 العقاب الجماعي وتفرض حماية المدنيين في مناطق النزاع،

تحت ذريعة “المصلحة الوطنية” أو “الأمن القومي”، غالباً ما يتم تعليق أو تقييد مجموعة من النصوص القانونية والدستورية التي تُعتبر حجر الزاوية في حقوق الإنسان.أبرز النصوص القانونية والاتفاقيات الدولية التي تتعرض للانتهاك :
1. الحقوق والحريات في الدساتير الوطنية
تتضمن معظم الدساتير مواداً تحمي الحقوق الأساسية، ولكنها تُنتهك عند إعلان حالات الطوارئ، وأبرزها:
    • حرية الرأي والتعبير: يتم تقييدها عبر قوانين “مكافحة الشائعات” أو “حماية السلم العام”.
    • حق التجمع السلمي والتظاهر: يُمنع غالباً بذريعة منع الفوضى أو الحفاظ على الاستقرار.
    • الحق في الخصوصية: يتم تجاوز النصوص التي تمنع مراقبة المراسلات أو تفتيش المنازل دون إذن قضائي تحت ذريعة الملاحقة الأمنية الاستباقية.

2. العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (ICCPR)
هذه المعاهدة الدولية تُلزم الدول بحماية حقوق الأفراد، لكن المادة (4) منها تسمح للدول بالتحلل المؤقت من بعض التزاماتها في حالات الطوارئ، مما يفتح الباب لانتهاكات مثل:
    • المادة (9): المتعلقة بالحق في الحرية والأمان الشخصي (يتم انتهاكها عبر الاعتقال الإداري دون تهمة).
    • المادة (14): المتعلقة بضمانات المحاكمة العادلة (يتم انتهاكها عبر إحالة المدنيين إلى محاكم عسكرية أو استثنائية).

3. اتفاقية مناهضة التعذيب
رغم أن القانون الدولي يحظر التعذيب حظراً مطلقاً ولا يجوز التذرع بأي ظروف استثنائية لممارسته، إلا أن بعض الدول تنتهك هذا النص تحت مسمى “الاستجواب المعزز” أو “الضرورة الأمنية” للحصول على معلومات عاجلة (سيناريو القنبلة الموقوتة).
4. القوانين المتعلقة بالشفافية والوصول للمعلومات
تُنتهك النصوص القانونية التي تفرض رقابة على الإنفاق العام أو تداول المعلومات، حيث تُصنف الكثير من الصفقات والأنشطة الاقتصادية تحت بند “أسرار الدفاع” أو “الأمن القومي” للتهرب من الرقابة المالية أو القضائية.
5. قانون الإجراءات الجنائية
يتم تجاوز النصوص التي تحدد:
    • الحد الأقصى لمدد الحبس الاحتياطي.
    • حق المتهم في الصمت أو الاستعانة بمحامٍ فور القبض عليه.

  إن الإشكالية القانونية لا تكمن في وجود “المصلحة الوطنية” كهدف، بل في غياب الرقابة القضائية على تعريف هذه المصلحة، مما يحولها من “حالة استثنائية” إلى “قاعدة مستمرة” لإهدار سيادة القانون.
مستفاد من الذكاء الاصطناعي