الكائن الحلوف “الحلوفيزم” !!

د محمد فرحات يكتب

في غفلة من الزمن، ومن بين ضجيج الحياة المتصاعد، نشأ في ربوع بلادنا الطيبة جيل عجيب، يحمل ملامح اتجاه جديد، يمثل طفرة كاملة في أخلاقيات وسلوك المجتمع ككل.
الاتجاه الحلوفي!!
دائماً ما كان تعبير (الحلوف) في العرف المجتمعي يشكل علامة على كائن قبيح، ينتعش على كل ما هو نتن، وفوق ذلك هو عديم المشاعر.
لهذا من المشهور أن تلمح عبارة:
“ولكنه حلوف لا يبالي”!!
حسناً.. يمكنك الآن ببساطة تلمس ملامح هذا الاتجاه الذي يتلخص في القضاء على كل المعاني الراقية التي كانت تميز الشخصية المصرية الأصيلة…
الود، والبشاشة، والبساطة، والشهامة، والترابط، والدفء المجتمعي، وغير ذلك من الملامح الرائقة التي كانت تتلخص في عبارة:
شعب طيب.
لكن بدأت النكبات تتوالى على هذه الشخصية، بداية من نكبة الانفتاح في السبعينيات، مع التغيرات الاقتصادية والاجتماعية العاصفة، والتي غيرت الكثير من ملامح المجتمع ككل، حيث انهارت الكثير من القيم القديمة، وشيدت قيم جديدة لا تعرف أخلاقاً، ولا أصولاً، بل لا تفهم إلا القيم المادية الجشعة، وصارت الألسنة تلوك تلك القاعدة الجديدة البغيضة:
“اللي معاه قرش يسوى قرش”!!
ومع مزيد من التطورات، وتصاعد التغيرات والضغوطات، بدأت تتشكل ملامح هذا الاتجاه الجديد، في جيل لم يعد يرى تقريباً أي قيمة لأي شيء، ولم يعد عنده تقريباً أي تقدير لأي شيء، ولم يعد عنده تقريباً أي أمل في أي شيء!!
ربما كان علم نفس الاجتماع لديه شيء من التفسير لكيفية تشكل هذا الاتجاه، فالفرد على وجه الخصوص، والمجتمع على وجه العموم، عندما يتعرض لأزمات كبيرة بشكل متتابع، يتولد لديه حاله من التجمد النفسي، كآلية نفسية دفاعية، فإذا استمرت تلك الضغوطات فذلك يدفع النفس إلى حالة من اللامبالاة المطلقة، التي تتطور بعد ذلك إلى حالة من العنف المكتوم الذي يعبر عن نفسه في أي لحظة، ويصير هذا الإنسان كائناً سيكوباتياً تجاه الآخرين، بل وتجاه الوجود كله بالأساس!!
من هنا يمكنك ببساطة رصد هذا الاتجاه الذي يتجسد معنوياً في الكائن الحلوفي الذي لا يبالي، بل ولا يتلذذ إلا بالأذى، وربما يتأذى من الروائح الطيبة، والمناظر الراقية!!
كل ذلك يتشكل أمام عينيك وأنت لا تكاد تصدق ما تراه عيناك… وتتساءل في حسرة مشوبة بكثير من الألم:
متى نبتت تلك الوجوه الوقحة في ربوعنا تلك الطيبة؟
متى وصلت تلك الجحافل من البشر الذين لا ترى في وجوههم أي أثر لتعاليم دين، أو آثار خلق أو تربية؟!
متى صار من المحتم علينا أن تعامل مع كائن ليس في مكونات شخصيته أي أصل أو قاعدة؟
من السهل عليك تتبع أتباع هذا المذهب الحلوفي سواء في الحياة أو الواقع الافتراضي…
من السهل عليك أن تتتبع آثارهم في كل مكان… اقرأ على سبيل المثال تعليقات الناس على أي منشور يشتكي صاحبه من أي شيء، ستجد التعليقات (الحلوفية) تنضح بالأذى، وتعلي من شأن الإضرار بالآخرين، وتسفه من أي صوت ناصح يذكر الناس بمعنى راقٍ، أو قيمة إنسانية، أو حتى حكم شرعي!!
هذا الاتجاه تترسخ جذوره بمرور الأيام، ويترعرع نبته الخبيث ونحن مسحوقون في دوامات صراع البقاء…
وأعتقد أن هذا الملف لا يقل خطورة عن أي ملف آخر يمس الأمن العام.
فهذا ملف يتعلق بوجود المجتمع ذاته، وعوامل تماسكه وبقائه.
وللأسف في زحام المعارك الحياتية صار النظر في تلك المواضع نوعاً من الترف!!