اتساع الفجوة بين الخطاب الحقوقي والسياسات الغربية

بين الشعارات والممارسة

على مدى عقود، قدّم الغرب نفسه كحارسٍ أمين لمنظومة حقوق الإنسان وحكم القانون، مُتخذاً من القيم الليبرالية مرجعيةً أخلاقيةً لقياس تحضر الأمم. إلا أن المتغيرات الجيوسياسية الراهنة، والتعاطي مع الأزمات الدولية الكبرى، كشفت عن ازدواجية معايير واضحة تضع المصالح الاستراتيجية فوق المبادئ الإنسانية. فبين تبني سياسات أمنية متشددة تقوض الحريات الفردية، وبين الانتقائية في إنفاذ القانون الدولي تجاه الصراعات العالمية، يواجه النموذج الغربي اليوم أزمة ثقة عميقة؛ حيث باتت تلك ‘المبادئ الكونية’ تخضع لمنطق الربح والخسارة وتوازنات القوى، مما يطرح تساؤلات ملحة حول مشروعية الوعظ الأخلاقي الغربي في ظل انتهاكات صارخة تجري تحت غطاء السيادة أو الأمن القومي.

آليات التطبيق: من الخطاب إلى الممارسة المؤسسية

لا يقتصر استخدام مفهوم المصلحة الوطنية على مستوى الخطاب السياسي، بل يتجسد في آليات مؤسسية وقانونية ممنهجة تتيح للدول الغربية تنفيذ سياسات تتعارض مع التزاماتها الدولية تحت غطاء السيادة الوطنية. ففي الاتحاد الأوروبي، تسمح المادة 72 من معاهدة عمل الاتحاد الأوروبي للدول الأعضاء بالاحتفاظ بصلاحيات تتعلق بحفظ القانون والنظام وحماية الأمن الداخلي، وهي مادة تُستخدم بشكل متكرر لتبرير إجراءات ترحيل جماعية أو إغلاق الحدود أمام طالبي اللجوء.

وفي الولايات المتحدة، يمنح قانون الهجرة والجنسية الأمريكي، وتحديداً القسم 212 و235، السلطات صلاحيات واسعة لرفض دخول الأجانب أو احتجازهم بناءً على تقديرات أمنية واسعة التعريف. وقد استندت إدارة ترامب في سياسات الفصل العائلي عند الحدود المكسيكية إلى تفسير موسع لمفهوم الأمن الوطني، رغم أن محكمة الاستئناف الأمريكية للدائرة التاسعة قضت بأن هذه السياسات تنتهك القانون الأمريكي والاتفاقيات الدولية.

نماذج تطبيقية من دول غربية متعددة

فرنسا: قانون الهجرة واللجوء لعام 2024

أقرت الجمعية الوطنية الفرنسية في يناير 2024 قانوناً جديداً للهجرة يوسع صلاحيات الترحيل، ويسمح بحرمان المهاجرين غير النظاميين من الرعاية الطبية الأساسية في حالات معينة، ويفرض حصصاً سنوية للهجرة. وقد انتقد المجلس الدستوري الفرنسي بعض بنود القانون لكونها تتعارض مع مبادئ دستورية، لكنه أقر الغالبية العظمى منها باسم المصلحة الوطنية.

وتعلق الدكتورة ماري دوبونت، أستاذة القانون العام في جامعة السوربون: إن تحويل الهجرة إلى تهديد أمني يسمح بتعليق ضمانات حقوقية أساسية يخلق سابقة خطيرة، فاليوم يُستخدم ضد المهاجرين، وغداً قد يُستخدم ضد فئات أخرى تحت ذرائع مماثلة.

المملكة المتحدة: خطة رواندا للترحيل الخارجي

تبنت الحكومة البريطانية خطة لترحيل طالبي اللجوء إلى رواندا لمعالجة طلباتهم هناك، في إطار ما تسميه استراتيجية كسر شبكات تهريب البشر. ورغم أن المحكمة العليا البريطانية قضت في نوفمبر 2023 بأن رواندا ليست دولة ثالثة آمنة، أصرّت الحكومة على المضي في الخطة بعد إبرام معاهدة جديدة مع كيغالي.

ويقول جوناثان مارشال، الباحث في معهد تشاتام هاوس: إن خطة رواندا تعكس تحولاً في المفهوم البريطاني للمصلحة الوطنية، حيث أصبحت الأولوية لإرضاء القاعدة الانتخابية عبر سياسات صارمة، حتى لو تعارضت مع الالتزامات الدولية أو الكفاءة العملية.

أستراليا: سياسة الاحتجاز الإقليمي الإلزامي

تطبق أستراليا منذ 2001 سياسة الاحتجاز الإلزامي لطالبي اللجوء الذين يصلون بحراً، مع نقلهم إلى مراكز معالجة في ناورو وجزيرة مانوس في بابوا غينيا الجديدة. وقد وثقت تقارير الأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية انتهاكات جسيمة في هذه المراكز، بما في ذلك التعذيب النفسي والإهمال الطبي.

وتشير الباحثة الأسترالية سارة ويلسون في تقرير لمعهد لوي للسياسة الدولية إلى أن هذه السياسة حققت هدفها السياسي المتمثل في ردع الوصول غير النظامي، لكنها فشلت في تحقيق العدالة الإنسانية، وكلفت الخزينة الأسترالية مليارات الدولارات، مما يطرح سؤالاً جوهرياً: أي مصلحة وطنية تُحقق بهذه التكلفة البشرية والمالية؟

إسرائيل: قانون القومية وسياسات الضم

في 2018، أقرت الكنيست الإسرائيلية قانون أساس: إسرائيل دولة قومية للشعب اليهودي، الذي يعطي أولوية قانونية للهوية اليهودية للدولة على حساب مبادئ المساواة. وقد انتقدت لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الأمم المتحدة هذا القانون لكونه يشرعن التمييز ضد المواطنين العرب الفلسطينيين في إسرائيل.

وتستخدم إسرائيل مفهوم المصلحة الوطنية أيضاً لتبرير سياسات الضم والاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة. فبحسب منظمة بتسيلم الإسرائيلية، تم هدم أكثر من 1000 مبنى فلسطيني في الضفة الغربية في 2025 وحدها بذرائع أمنية أو تنظيمية، في حين يستمر توسع المستوطنات الإسرائيلية المدعومة حكومياً.

ويعلق الدكتور عمر البرغوثي، الباحث في القانون الدولي: إن استخدام إسرائيل لذريعة المصلحة الوطنية لتبرير انتهاكاتها يعكس ازدواجية المعايير في النظام الدولي، حيث تُمنح بعض الدول حصانة عملية من المساءلة رغم انتهاكاتها المتكررة للقانون الدولي.

الإطار القانوني الدولي: نصوص تُنتهك تحت ذريعة المصلحة الوطنية

تتعارض السياسات التي تُبرر بالمصلحة الوطنية مع نصوص قانونية دولية ملزمة:

اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين وبروتوكول 1967: تنص المادة 33 على مبدأ عدم الإعادة القسرية، الذي يحظر إعادة أي لاجئ إلى إقليم تكون فيه حياته أو حريته مهددة. ومع ذلك، تُرحّل دول أوروبية وأمريكية طالبي لجوء إلى دول ثالثة لا تضمن حمايتهم، تحت ذريعة أن ذلك يخدم المصلحة الوطنية في إدارة تدفقات الهجرة.

العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية: يكفل في المادة 12 الحق في التمتع بأعلى مستوى من الصحة يمكن بلوغه. ومع ذلك، تحرم سياسات الهجرة الأوروبية والأمريكية المهاجرين غير النظاميين من الوصول إلى الرعاية الصحية الأساسية، مما ينتهك هذا الحق.

اتفاقية حقوق الطفل: تنص المادة 3 على أن مصلحة الطفل الفضلى يجب أن تكون الاعتبار الأول في جميع الإجراءات التي تتعلق بالأطفال. ومع ذلك، تفصل سياسات الهجرة الأمريكية والأوروبية بين الأطفال وذويهم، أو تحتجز الأطفال في ظروف لاإنسانية، تحت ذريعة حماية الحدود.

ميثاق الأمم المتحدة: ينص في المادة 2 على مبدأ المساواة في السيادة بين الدول وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. ومع ذلك، تبرر دول غربية وإسرائيل تدخلات عسكرية أو عمليات استهداف في دول أخرى بذريعة المصلحة الوطنية والأمن القومي.

آراء الخبراء والناشطين: ضمير العالم يتحدث

في مواجهة هذه الانتهاكات، تتصاعد أصوات الخبراء والناشطين الذين يدعون إلى إعادة تعريف المصلحة الوطنية بما يتوافق مع القيم الإنسانية والقانونية.

يقول البروفيسور ريتشارد فالك، الخبير في القانون الدولي والعلاقات الدولية: إن مفهوم المصلحة الوطنية كما يُطبق اليوم يعكس انتصاراً للواقعية السياسية الضيقة على الأخلاق الكونية، وهذا الانتصار مؤقت، لأن النظام الدولي لا يمكن أن يستقر على أساس من الانتهاكات الممنهجة.

وتضيف الدكتورة ليلى أحمد، الباحثة في مركز الدراسات الدولية في جامعة هارفارد: إن الدول التي تنتهك حقوق الإنسان بذريعة المصلحة الوطنية تخسر على المدى الطويل نفوذها الناعم وقدرتها على قيادة التحالفات، لأن الثقة الدولية تُبنى على الالتزام بالمبادئ، لا على القوة فقط.

من جهته، يؤكد الناشط في مجال حقوق المهاجرين، كريم بنعلي: إن معاناة المهاجرين المحتجزين في مراكز الترحيل الأوروبية والأمريكية ليست مجرد إحصاءات، بل هي قصص إنسانية تُنتهك فيها الكرامة تحت شعار حماية الحدود، وهذا يتعارض مع جوهر القيم التي تدعي هذه الدول الدفاع عنها.

وتحذر منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها السنوي 2026 من أن استخدام المصلحة الوطنية ذريعة للانتهاكات يخلق ثقافة الإفلات من العقاب، حيث تتعلم الدول أن الانتهاكات لا تترتب عليها تبعات حقيقية، مما يقوض النظام القانوني الدولي بأكمله.

التداعيات الاستراتيجية: تآكل النظام الدولي

لا تقتصر تداعيات إساءة استخدام مفهوم المصلحة الوطنية على الضحايا المباشرين، بل تمتد لتشكل تهديداً وجودياً للنظام الدولي القائم على القواعد. فبحسب تحليل لمعهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي، فإن تزايد استخدام ذرائع السيادة الوطنية لتبرير انتهاكات القانون الدولي يقوض شرعية المؤسسات الدولية ويضعف آليات المساءلة العالمية.

وعلى المستوى الإقليمي، يؤدي هذا النهج إلى تفاقم عدم الاستقرار. فسياسات الترحيل الأوروبية، مثلاً، تدفع بالمهاجرين نحو مسارات أكثر خطورة، مما يغذي شبكات التهريب ويزيد من الوفيات في البحر المتوسط. وفي الشرق الأوسط، تبرر الغارات الإسرائيلية المتكررة بذريعة المصلحة الوطنية، مما يغذي دورة العنف ويقوض فرص السلام.

بدائل مقترحة: نحو مصلحة وطنية مستنيرة

في مواجهة هذه التحديات، يطرح خبراء وناشطون بدائل لإعادة تعريف المصلحة الوطنية بما يتوافق مع الالتزامات الدولية والقيم الإنسانية:

أولاً: اعتماد مقاربة شاملة للأمن تعترف بأن حماية حقوق الإنسان وتعزيز التنمية المستدامة هما جزء لا يتجزأ من الأمن الوطني الحقيقي. فالدول المستقرة والمزدهرة في الجوار الإقليمي تساهم في أمن أي دولة أكثر من الجدران والترحيل.

ثانياً: تعزيز آليات المساءلة الدولية. فبدون تبعات حقيقية للانتهاكات، ستستمر الدول في استخدام ذريعة المصلحة الوطنية. وهذا يتطلب إصلاح مجلس الأمن وتعزيز اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.

ثالثاً: إشراك المجتمع المدني والخبراء المستقلين في صياغة سياسات الهجرة والأمن. فالتجربة تُظهر أن السياسات التي تُصمم بمعزل عن الواقع الإنساني تفشل في تحقيق أهدافها حتى الأمنية منها.

رابعاً: الاستثمار في الحلول الجذرية لأزمات الهجرة، مثل معالجة النزاعات المسلحة، ودعم التنمية في دول المنشأ، وفتح قنوات هجرة قانونية آمنة. فهذه الحلول أكثر استدامة وفعالية من سياسات الردع والترحيل.

خاتمة: المصلحة الوطنية الحقيقية في الالتزام بالقيم

في النهاية، تكشف التجربة التاريخية والمعاصرة أن الدول التي تبرر انتهاكاتها بذريعة المصلحة الوطنية قد تحقق مكاسب قصيرة الأمد، لكنها تخسر على المدى الطويل مصداقيتها وشراكاتها الدولية وقدرتها على قيادة النظام العالمي.

المصلحة الوطنية الحقيقية لا تكمن في القدرة على انتهاك القوانين الدولية دون عقاب، بل في بناء سمعة دولية تقوم على الالتزام بالمبادئ، لأن هذه السمعة هي التي تجذب الشراكات وتعزز النفوذ الناعم وتضمن الاستقرار على المدى البعيد.

وكما خلص تقرير لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: المصداقية، بمجرد فقدانها، يصعب استعادتها. والدول التي تريد أن تلعب دوراً قيادياً في القرن الحادي والعشرين يجب أن تدرك أن المصلحة الوطنية الحقيقية تتوافق مع الالتزام بالمعايير الدولية، لا مع انتهاكها.

وفي عالم يتسم بالترابط المتزايد، لم تعد أي دولة جزيرة معزولة. فانتهاكات حقوق المهاجرين في أوروبا تؤثر على الاستقرار في أفريقيا، والغارات الإسرائيلية على دول عربية تغذي التطرف في المنطقة، وسياسات الهجرة الأمريكية تقوض التعاون مع أمريكا اللاتينية.

لذلك، فإن إعادة تعريف المصلحة الوطنية لتعكس هذا الواقع المترابط ليست مجرد خيار أخلاقي، بل ضرورة استراتيجية. فالدول التي تدرك أن أمنها وازدهارها مرتبطان بأمن وازدهار الآخرين هي التي ستتمكن من قيادة النظام الدولي في العقود القادمة.

المصادر والمراجع المضافة:
– المجلس الدستوري الفرنسي، قرار بشأن قانون الهجرة واللجوء، يناير 2024
– المحكمة العليا البريطانية، حكم بشأن خطة رواندا، نوفمبر 2023
– منظمة بتسيلم الإسرائيلية، تقرير سنوي حول الانتهاكات في الضفة الغربية، 2026
– معهد تشاتام هاوس، تحليلات حول سياسات الهجرة البريطانية، أبريل 2026
– معهد لوي للسياسة الدولية، تقرير حول سياسة الاحتجاز الأسترالية، مارس 2026
– لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الأمم المتحدة، ملاحظات ختامية حول إسرائيل، 2025
– معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي، تقرير حول سيادة القانون الدولي، فبراير 2026
– منظمة هيومن رايتس ووتش، التقرير العالمي 2026
– مقابلات مع خبراء وناشطين، مايو 2026