الجزائر وتشاد يتجهان إلى فضاء من “الشراكة الاستراتيجية”

تشهد علاقات البلدين تحولاً نوعياً بعد سنوات من الجمود

الرائد- تشهد العلاقات بين الجزائر وتشاد تحولاً نوعياً بعد سنوات من الجمود، وهو ما تؤكده عودة اللجنة المشتركة وتوقيع اتفاقات عديدة في فترة قصيرة، شملت قطاعات اقتصادية حيوية ومتنوعة، مما يوحي بأن هذا الانبعاث ليس مجرد استجابة لظروف سياسية عابرة، بل هو خطوة مدروسة لتغيير التموقع الاقتصادي للبلدين إقليمياً ويحمل فرصاً حقيقية إذا جرى تجسيدها بذكاء.

في ظل هذا الزخم المتسارع، يبرز تساؤل جوهري يفرض نفسه على طاولة القراء والفاعلين الاقتصاديين، إلى أي مدى يمكن لهذا الإطار القانوني والاتفاقات الموقعة أن تتحول من “نوايا دبلوماسية” على الورق إلى مشاريع ميدانية ملموسة تكسر عزلة تشاد الجغرافية وتدعم الطموحات الجزائرية في التوسع القاري؟ وهل يمتلك الطرفان الآليات اللوجستية والمالية الكفيلة بتنفيذ هذه الاتفاقيات ميدانياً؟

سجلت العلاقات الجزائرية – التشادية، انتقالاً جذرياً من مربع “الصداقة التقليدية” إلى فضاء “الشراكة الاستراتيجية”، وهو كشفت عنه تفاصيل الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس جمهورية تشاد محمد إدريس ديبي إتنو إلى الجزائر بدعوة من الرئيس عبدالمجيد تبون، وهي الزيارة التي وصفت بأنها “منعطف تاريخي” في مسار التعاون جنوب – جنوب.

الرئيسان الجزائري والتشادي انخرطا في محادثات موسعة شملت ملفات الأمن والتنمية والقضايا الإقليمية الراهنة. وركز الرئيسان على ضرورة تفعيل آليات العمل المشترك لمواجهة التحديات الأمنية في منطقة الساحل، مع التأكيد على أن استقرار القارة الأفريقية يجب أن ينبع من إرادة أبنائها بعيداً من التدخلات الخارجية.

وتعرف العلاقات الجزائرية – التشادية انبعاثاً لافتاً بعد سنوات طويلة من الانكفاء (14 عاماً لم تنعقد اللجنة المشتركة)، إذ تحركت هذه العلاقات في غضون عام ضمن مسارات مختلفة، حيث تمثل زيارة ديبي في الـ22 من أبريل (نيسان) الجاري هي الثانية من نوعها خلال شهور معدودة بعد زيارة أولى خلال سبتمبر (أيلول) عام 2025.

جدد الطرفان دعمهما للحلول السياسية في كل من ليبيا ومنطقة الساحل والسودان (الرئاسة الجزائرية)

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، أعلنت الجزائر دعم تشاد ومرافقة جهودها في هيكلة وتثمين قطاعاتها الاستراتيجية والنفطية، ووقع البلدان على ثلاثة اتفاقات بين مجمع سوناطراك الحكومي الجزائري للمحروقات والمؤسسة التشادية للمحروقات لتطوير قطاع المحروقات في تشاد، وإقامة شراكات في أنشطة الاستكشاف والتطوير والإنتاج ونقل وتثمين موارد المحروقات.

وتوجت هذه الزيارة بالتوقيع على 28 اتفاقاً ومذكرة تفاهم جرى إبرامها في إطار الدورة الرابعة للجنة المشتركة الجزائرية – التشادية، شملت العديد من المجالات، على غرار الأشغال العمومية والاتصالات والشباب والصحة الحيوانية والصناعة الصيدلانية وخدمات النقل الجوي والتعليم العالي والبحث العلمي، وكذلك الصناعة والتجارة. ووقع الطرفان على اتفاق إطار للتعاون بخصوص إنجاز مصفاة واتفاق حول الإعفاء المتبادل من التأشيرة لحاملي جوازات السفر الدبلوماسية وجوازات سفر لمهمة، وتأسيس المشاورات السياسية والدبلوماسية.

في تصريح مشترك مع نظيره التشادي، أكد تبون أن “ما تحقق اليوم بين البلدين يشكل خطوة مهمة نحو بناء شراكة استراتيجية متكاملة”، مبرزاً “التزام الجزائر بالوقوف إلى جانب تشاد مع الحرص على بناء نموذج أفريقي ناجح للتعاون الأفريقي – الأفريقي”.

وأكد أنه تطرق مع ضيف الجزائر إلى “القضايا الإقليمية والأفريقية”، مشيراً إلى “الاتفاق على مواصلة التشاور والتنسيق، دفاعاً عن مصالح قارتنا وخدمة لقضايا السلم والاستقرار والتنمية في أفريقيا”.

من جهته اعتبر رئيس جمهورية تشاد إدريس ديبي إتنو أن زيارته إلى الجزائر تعكس “إرادة سياسية واضحة لدى البلدين للانتقال من صداقة تقليدية إلى شراكة استراتيجية”، مشيراً إلى أن البلدين “ليستا مرتبطتين بمحض الصدفة، بل تتقاسمان عمقاً تاريخياً ناتجاً عن رؤية سياسية صاغها الآباء المؤسسون”.

وأكد البيان المشترك الذي نشرته الرئاسة الجزائرية أمس الجمعة “متانة العلاقات الثنائية القائمة على الروابط التاريخية والتقارب السياسي، والتي اتفقا على تعزيزها عبر التعاون في مجالات عدة كالأمن وبالأخص الإرهاب وتأمين الحدود”.

وتابع البيان، “شدد البلدان على تحويل الاتفاقات الموقعة إلى مشاريع ملموسة، مع التركيز على قطاعات الطاقة والمناجم والنقل والبنى التحتية، إضافة إلى الاستثمارات وتفعيل مجلس الأعمال المشترك، والتأكيد على تطوير التعاون الثنائي في مجالات مثل التعليم والصحة والثقافة وتعزيز التقارب بين الشعبين”.

وأشاد الطرفان بتفعيل مجلس الأعمال الجزائري – التشادي الذي يهدف إلى تعزيز المبادلات التجارية وتسهيل الاستثمارات وتشجيع الاتصال المباشر بين الفاعلين الاقتصاديين، بـ”المبادرة بتنظيم منتدى اقتصادي باعتباره أداة لتعزيز المبادلات وتنويع الاقتصاد”.

أما على المستوى الدولي، فجدد الطرفان دعمهما للحلول السياسية في كل من ليبيا ومنطقة الساحل والسودان، والتمسك بمبدأ عدم التدخل واحترام سيادة الدول، لتختتم الزيارة بالتأكيد على أهمية تعزيز الشراكة وإقامة مشاورات منتظمة على أعلى مستوى وإرساء آليات متابعة فعالة لضمان تنفيذ الالتزامات المتعهد بها.

يرى مراقبون أن هذا “الانبعاث” في العلاقات يخدم استراتيجية الجزائر في العودة القوية إلى عمقها الأفريقي، حيث توفر تشاد بوابة حيوية لوسط القارة وسوقاً واعدة للمنتجات الجزائرية. وفي المقابل، تجد تشاد في الجزائر شريكاً اقتصادياً قوياً وموثوقاً يوفر لها منافذ بحرية (عبر الموانئ) وخبرات تقنية في مجالات الطاقة والبنية التحتية.

وفي هذا السياق يقول أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية الجزائري محمد صالح جمال إن زيارة ديبي إلى الجزائر تعد مؤشراً إلى تحول تدريجي في طبيعة التفاعلات داخل منطقة الساحل، حيث لم تعد العلاقات تبنى فقط على ردود الفعل، بل محاولات واعية لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.

وأوضح جمال في حديثه إلى “اندبندنت عربية” أنه يمكن التأكيد أن هذه الزيارة تمثل بالفعل محاولة لإعادة التوازن داخل المنطقة، فمع تراجع نفوذ بعض القوى التقليدية، برزت حاجة موضوعية لفاعلين إقليميين يمتلكون القدرة على إدارة التحديات الأمنية والسياسية بصورة مباشرة”.

ورأى أن “الجزائر تسعى إلى ترسيخ دورها كفاعل استقرار من خلال مقاربة تقوم على الشراكة والتنسيق، بينما ترى تشاد في هذا التقارب فرصة لتعزيز موقعها داخل المعادلة الإقليمية. هذا التلاقي في المصالح يعكس إرادة مشتركة لإعادة توزيع الأدوار داخل الساحل بطريقة أكثر توازناً واستقلالية”.

فيما يتعلق بإمكان ترجمة نتائج الزيارة إلى اتفاقيات ملموسة، أشار جمال إلى أن المعطيات السياسية والاستراتيجية توحي بإمكان ذلك بشكل إيجابي، فالزيارة الثانية في فترة زمنية قصيرة تعكس وجود متابعة فعلية للعلاقات الثنائية، وهو ما يعزز فرضية الانتقال من مستوى التفاهمات العامة إلى مستوى الشراكات العملية، وأن طبيعة التحديات المشتركة – بخاصة في المجال الأمني – تفرض على البلدين تطوير آليات تنسيق ميداني، مثل تبادل المعلومات وتعزيز التعاون الحدودي”.

وتابع، “البعد الاستراتيجي للتعاون لا يقتصر على الأمن فقط، وإنما يمتد إلى دعم مشاريع تنموية واقتصادية تسهم في تثبيت الاستقرار على المدى الطويل. وهنا تكمن القيمة الحقيقية للزيارة، باعتبارها خطوة نحو بناء تعاون متعدد الأبعاد”.

وخلص إلى أن الزيارة تحمل بعدين متكاملين، فهي من جهة محاولة ناجحة لإعادة التوازن داخل منطقة الساحل، ومن ناحية أخرى تمثل أرضية واقعية لترجمة هذا التوازن إلى اتفاقات ميدانية قابلة للتنفيذ، بما يعزز الاستقرار الإقليمي بصورة مستدامة”.

من جهته رأى المتخصص الاقتصادي الجزائري هواري تيغرسي أن العلاقات بين البلدين الأفريقيين تشهد حالياً تحولًا نوعياً يعكس رغبة صادقة في كسر سنوات الجمود، موضحاً أن عودة اللجنة المشتركة للعمل وتوقيع عشرات الاتفاقات في وقت قياسي شملت قطاعات حيوية، ليس مجرد إجراء ظرفي، بل هو “انبعاث” يحمل فرصاً حقيقية لإعادة تموضع البلدين اقتصادياً في القارة السمراء، شريطة أن يجري تجسيد هذه التوافقات بذكاء وميدانية.

وفي تحليله لفرص التعاون ذكر تيغرسي أن الميزة الكبرى تكمن في تحويل الجزائر إلى بوابة بحرية لدولة تشاد (الدولة الحبيسة)، حيث يتيح استخدام الموانئ الجزائرية وإنشاء ممرات لوجستية وطرق نقل بري منح تشاد منفذاً استراتيجياً للعالم، مقابل تحول الجزائر إلى مركز عبور إقليمي يربط عمق أفريقيا بدول البحر الأبيض المتوسط.

وأشار إلى وجود تكامل اقتصادي واضح، فالجزائر تمتلك قدرات إنتاجية في قطاعات الطاقة والأدوية ومواد البناء، بينما تزخر تشاد بموارد زراعية وحيوانية هائلة وأسواق استهلاكية ناشئة، وهو تكامل يمهد لتصدير المنتجات الجزائرية واستيراد المواد الأولية، مما يخلق معادلة تجارية “رابحة للطرفين” تتجاوز مفهوم البيع والشراء التقليدي إلى بناء سلاسل قيمة مشتركة، يجري من خلالها الإنتاج في تشاد والتحويل الصناعي في الجزائر، ثم التصدير المشترك نحو الأسواق الأفريقية.

وعلى صعيد الاستثمار أكد تيغرسي أن الاتفاقات الموقعة في مجالات الأشغال العمومية والزراعة والاتصالات تمثل فرصاً ذهبية للشركات الجزائرية للنمو إقليمياً، فالسوق التشادية تعد غير مشبعة ونقطة دخول استراتيجية لوسط أفريقيا، مما يسمح للمؤسسات الجزائرية بتنفيذ مشاريع بنية تحتية كبرى والاستثمار في الخدمات، وهو ما يرفع من القيمة المضافة للاقتصاد الوطني ويخلق فرص عمل عابرة للحدود.

بخصوص آليات التجسيد يضع هواري تيغرسي قطاع اللوجستيك كأولوية قصوى، مؤكداً أن الاتفاقات ستبقى “نظرية” ما لم يجرِ تفعيل الممرات البرية وربط تشاد فعلياً بالموانئ الجزائرية. ودعا إلى إنشاء مناطق اقتصادية مشتركة، متمثلة في مناطق حرة وصناعية حدودية مدعومة بتحفيزات ضريبية لجذب المستثمرين، وتفعيل مجلس الأعمال لتمكين القطاع الخاص من قيادة القاطرة، وتحويل الأفكار إلى مشاريع فعلية، والبحث عن حلول تمويلية مبتكرة، عبر صناديق استثمار ثنائية تدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، لتجاوز عقبة التمويل التي تعد العائق الأكبر في القارة.

وشدد المحلل الاقتصادي على ضرورة رقمنة التعاون من خلال منصات معلوماتية تبسط الإجراءات للمستثمرين، مقترحاً التركيز في البداية على مشاريع “سريعة الأثر” مثل تجارة المواد الغذائية والنقل والخدمات الزراعية البسيطة، لأن النتائج السريعة هي التي تعزز الثقة بين الفاعلين الاقتصاديين وتدفع نحو المشاريع الضخمة.

وحذر تيغرسي من أن التحدي الحقيقي لا يكمن في غياب الفرص، بل في ما وصفه “فخاخ التنفيذ” التي عرقلت شراكات أفريقية سابقة، والمتمثلة في البيروقراطية وبطء التنسيق، موضحاً أن “نجاح هذه الديناميكية لا يقاس بعدد الاتفاقات التي تجاوزت الـ30، بل بعدد الشاحنات التي ستتحرك فعلياً، والمصانع التي ستُبنى على الأرض. فنحن أمام خيارين: إما صناعة محور اقتصادي أفريقي صاعد، أو الضياع مجدداً في متاهة التنفيذ البطيء”.

*المصدر: اندبندنت عربية