ترامب في مواجهة إرث رؤساء أمريكا التاريخيين

من لنكولن إلى ترامب.. نرجسية القيادة

في ظاهرة لافتة للنظر في التاريخ السياسي الأمريكي المعاصر يميل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى عقد مقارنات متكررة بين أدائه وأداء أسلافه في البيت الأبيض سواء كانوا من الديمقراطيين مثل جو بايدن وباراك أوباما وجيمي كارتر أو من الجمهوريين مثل جورج بوش الأب والابن ورونالد ريغان وقد أثارت هذه المقارنات جدلاً واسعاً بين المحللين السياسيين وعلماء النفس حول دوافعها وآثارها على الخطاب السياسي الأمريكي.

أبرز التصريحات والتواريخ

في السادس عشر من ديسمبر عام ألفين وخمسة وعشرين وخلال حفل استقبال في البيت الأبيض بمناسبة عيد الحانوكا صرح ترامب بأن طبيبه السابق في البيت الأبيض روني جاكسون أخبره بأنه الأكثر صحة بينه وبين باراك أوباما وجو بايدن حيث نقل عنه قوله إن جاكسون قال إن ترامب كان الأكثر صحة بفارق كبير .

وفي الرابع عشر من نوفمبر عام ألفين وأربعة وعشرين خلال حفل في مارالاغو كرر ترامب نفس الادعاء مشيراً إلى أن جاكسون كان طبيباً لأوباما وبوش أيضاً وأكد أن الإجابة كانت دون شك دونالد ترامب .

أما بالنسبة لجيمي كارتر فقد وجه ترامب انتقادات لاذعة له خلال حملة عام ألفين وأربعة وعشرين حيث وصف إدارة بايدن بأنها تجعل إدارة كارتر تبدو براقة بالمقارنة وذلك في الثاني من أكتوبر عام ألفين وأربعة وعشرين بمناسبة عيد ميلاد كارتر المائة .

كما أشار ترامب في مقابلة مع تاكر كارلسون في نوفمبر عام ألفين وأربعة وعشرين إلى أن ريغان لو عاد من الموت لما استطاع جذب أكثر من مائتين أو ثلاثمائة شخص في قاعة للحفلات في كاليفورنيا مما يعكس محاولة لتقليل من شأن شعبية سلفه الجمهوري .

وفي مقابلة مع كتاب آيل ألون كان فيكس إت في عام ألفين وواحد وعشرين قال ترامب إنه سيكون من الصعب على جورج واشنطن وأبراهام لينكولن هزيمته لو عادا من الموت واختارا نائباً للرئيس مما يعكس نظرة تفوق واضحة على رموز تاريخية .

تحليلات الخبراء السياسيين

يقول جاك بيتني أستاذ العلوم السياسية في كلية كليرمونت ماكينزا والجمهوري السابق إن ترامب يعتقد أنه أفضل من أي رئيس آخر وإن غروره لا يتجاوزه إلا جهله بالتاريخ.

ويضيف بيتني أن محاولة ترامب رفع نفسه فوق مستوى لينكولن وواشنطن هي جزء من جهوده لتغيير التصور العام عنه وهي تتسق مع شخصيته التي تعلن خبرتها في مجالات متعددة من الصفقات التجارية إلى الدبلوماسية الخارجية .

من جهته يرى سيدني بلومنتال المؤرخ وكاتب سيرة لينكولن وكبير مساعدي البيت الأبيض السابق في عهد بيل كلينتون أن النرجسية الخبيثة لدى ترامب تدفعه للتصرف وكأنه أفضل من الجميع مشيراً إلى أن منافسة لينكولن مهمة صعبة .

وتقول لارا براون عالمة السياسة ومؤلفة كتاب ساعة الهواة الشخصية الرئاسية وسؤال القيادة إن معظم العلماء ينظرون إلى ترامب على أنه ربما أسوأ رئيس في التاريخ وإن محاولاته للارتقاء بنفسه فوق شخصيات مثل لينكولن وواشنطن هي محاولات لتغيير التصورات العامة عنه .

تحليلات الخبراء النفسيين

تشير دراسات علماء النفس إلى أن شخصية ترامب تظهر سمات واضحة من النرجسية والاضطراب المعادي للمجتمع حيث حصل على درجات منخفضة جداً في الصدق والإنصاف وتجنب الجشع ومنخفضة بشكل استثنائي في التواضع وفقاً لتحليل باستخدام نموذج هيكساكو للشخصية .

ويوضح فريق من علماء النفس بقيادة بيث فيسر أن مزج ترامب بين انخفاض التواضع وانخفاض العاطفية وارتفاع الضميرية يشبه الملف النموذجي للشخصية الميكافيلية بينما تظهر شخصيته علامات واضحة على النرجسية والذهان .

وتذكر مجلة سايكولوجي توداي أن ترامب قلب الأفكار التقليدية حول القيادة والسياسة مما أثار اهتماماً نفسياً واسعاً من سمات شخصيته إلى العواطف التي يثيرها لدى الجمهور وإلى النقطة التي تصبح فيها الصحة العقلية مسألة أمن قومي .

ويشير علماء النفس إلى أن ظاهرة الغسل الضوئي أو التلاعب النفسي التي تجعل الناس يشككون في واقعهم تتجلى في سلوك ترامب من خلال أكاذيبه المتكررة ومحاولاته تقويض إدراك الناس للحقيقة .

الدلالات السياسية والنفسية

من الناحية السياسية تعكس مقارنات ترامب مع أسلافه استراتيجية خطابية تهدف إلى تعزيز صورته كقائد فريد وتقويض شرعية خصومه السياسيين وتعبئة قاعدته الانتخابية من خلال خلق رواية تفوق شخصي.

ومن الناحية النفسية يرى المحللون أن هذه المقارنات تنبع من حاجة عميقة للتأكيد على الذات والتعويض عن مشاعر النقص أو عدم الأمان وهي سمات ترتبط باضطرابات الشخصية النرجسية حيث يسعى الفرد إلى الإعجاب المستمر ويشعر بأهمية مفرطة لذاته.

كما يشير خبراء إلى أن تكرار هذه المقارنات يعكس نمطاً من التفكير الثنائي حيث يصور ترامب نفسه كبطل وخصومه كأشرار مما يعزز الانقسام السياسي ويغذي الاستقطاب في المجتمع الأمريكي.

خاتمة: تظل مقارنات دونالد ترامب مع الرؤساء الأمريكيين السابقين ظاهرة معقدة تجمع بين الاستراتيجية السياسية والديناميكيات النفسية وقد ساهمت في تشكيل خطاب سياسي جديد يتسم بالجرأة والمواجهة والتفرد ورغم الانتقادات الواسعة من الخبراء إلا أن هذه المقارنات تستمر في لعب دور محوري في سردية ترامب السياسية وقدرته على حشد الدعم الشعبي.

مستفاد من تقنية الذكاء الاصطناعي