استعدادات استثنائية لخدمة ضيوف الرحمن في المدينة المنورة

جاهزية قصوى لاستقبال ضيوف المدينة النبوية

استعداداً لموسم حج عام 1447هـ (2026م)، بدأت المدينة المنورة، “طيبة الطيبة”، في استقبال أولى طلائع ضيوف الرحمن بقلوب ملؤها الشوق والترحاب، وسط منظومة متكاملة من الخدمات والترتيبات الاستثنائية التي سخرتها المملكة العربية السعودية لضمان أقصى درجات الراحة والأمان. وتأتي هذه الاستعدادات المكثفة هذا العام، التي تشارك فيها مختلف القطاعات الحكومية والأمنية والصحية، لتعكس حرصاً بالغاً على تجويد التجربة الإيمانية للحجاج، بدءاً من لحظة وصولهم عبر مطار الأمير محمد بن عبدالعزيز الدولي، ومروراً بالصلاة في المسجد النبوي الشريف والتشرف بالسلام على رسول الله ﷺ، وصولاً إلى زيارة المعالم التاريخية، في مشهد يجسد أسمى معاني التفاني في خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما.

ويتوافد الحجاج وسط جاهزية المواقيت المخصصة بالإحرام لموسم الحج، مع توفير أكثر من 3.1 ملايين مقعد للرحلات القادمة والمغادرة، وتطبيق أنظمة إلكترونية تنظم تحركات الحجاج لأول مرة بمشعر منى ذي المكانة الكبيرة لدى المسلمين.

وجاءت الإجراءات بحسب مصادر سعودية رسمية، الثلاثاء والأربعاء، وسط توترات تشهدها المنطقة جراء حرب شنتها إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران، نهاية فبراير/شباط الماضي، والتي توقفت مؤقتا جراء هدنة بدأت لأسبوعين في 8 أبريل/ نيسان الجاري تم تمديدها لوقت غير محدد من جانب واشنطن.

أجواء إيمانية

وأفادت وكالة الأنباء السعودية، (واس) الأربعاء، بأن “المدينة المنورة تستقبل خلال هذه الأيام أفواج الحجاج القادمين من مختلف دول العالم في أولى محطات رحلتهم الإيمانية، للصّلاة في المسجد النبوي، قبل انتقالهم إلى بيت الله الحرام بمكة المكرمة، للشروع بأداء شعائر فريضة الحج”.

وشهد أرجاء المسجد النبوي، الأربعاء، “تواجد ضيوف الرحمن وهم يقضون أوقاتهم في رحابه بين صلاة، وذكر، ودعاء، وتلاوة في أجواء إيمانية خاشعة”.

ويعد المسجد النبوي الوجهة الأولى التي يقصدها الحجاج أثناء قدومهم للمدينة المنورة.

توافد رحلات الحجاج

والأربعاء، وصلت أولى رحلات المستفيدين من مبادرة “طريق مكة” من إندونيسيا عبر مطار سوكارنو هاتا الدولي بالعاصمة جاكرتا، إلى مطار الأمير محمد بن عبدالعزيز الدولي بالمدينة المنورة، بحسب “واس”.

وتشرف وزارة الداخلية السعودية على مبادرة “طريق مكة”، التي دخلت عامها الثامن، وقامت منذ إطلاقها عام 2017 بخدمة مليون و254 ألفا و994 حاجا.

وتتيح المبادرة إنهاء إجراءات دخول الحجاج إلى السعودية من بلد المغادرة بدل الانتظار في المطارات السعودية.

وتتم المبادرة هذا العام عبر 17 منفذا في 10 دول هي: تركيا، والمغرب، وإندونيسيا، وماليزيا، وباكستان، وبنغلاديش، وكوت ديفوار، والمالديف، ولأول مرة السنغال وبروناي دار السلام، بحسب البيان.

جاهزية المواقيت

والثلاثاء، أعلنت الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة “اكتمال جاهزية المواقيت لاستقبال ضيوف الرحمن خلال موسم حج (1447هـ)، ضمن منظومة تشغيلية متكاملة تهدف إلى رفع كفاءة الخدمات وتعزيز تجربة الحجاج منذ وصولهم إلى حدود الحرم”، بحسب “واس”.

و”المواقيت” أماكن محددة شرعا يُحرم منها الحجاج والمعتمرون، أي يبدؤون عندها نية النسك ويرتدون ملابس الإحرام.

وأتمّت الهيئة إعادة تأهيل منظومة مشارب المياه في ميقات وادي محرم، وتفعيل نظام التسخين المركزي في ميقات السيل الكبير لأكثر من 900 دورة مياه، إضافة إلى استكمال تركيب أكثر من 230 كاميرا مراقبة.

أنظمة إلكترونية تطبق لأول مرة

وتفقد وزير الحج والعمرة، توفيق الربيعة، الثلاثاء، “المخيمات في مشعر منى؛ للوقوف على جاهزيتها استعدادا لموسم حج هذا العام.

وأكد الربيعة، أنه “تم في هذا العام تفعيل أنظمة إلكترونية تُطبّق لأول مرة؛ لمتابعة حركة تفويج الحجاج، وتنظيم عمليات الدخول والخروج من المخيمات، إضافة إلى تثبيت لوحات تعريفية عند مداخل ومخارج المخيمات بمنى، توضح أوقات الخروج والعودة وغيرها من الإرشادات”.

ولفت إلى أن هذه الإجراءات ستعزز “وعي الحجاج بخطط التفويج، ويسهم في تنظيم حركتهم داخل المشاعر، ويضمن سلامتهم”.

وعلى بعد 7 كيلومترات، شمال شرق المسجد الحرام، يقع مشعر منى، أحد أكبر المشاعر المقدسة، ولا يُسكن إلا مدة الحج، ويتوافد ضيوف الرحمن إليه لقضاء يوم التروية (يرتوون فيه من الماء، ويحملون ما يحتاجون إليه)، اقتداء بسنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

ويعد أحد أكبر المشروعات التي نفذت بالمملكة، لإيواء الحجاج، باستيعاب 2.6 مليون حاج، وبهذا يكون المشعر أكبر مدينة خيام في العالم.

وفي سياق متصل، أكدت الهيئة العامة للطيران المدني السعودية، الثلاثاء، في بيان، “جاهزيتها الكاملة لتعزيز كفاءة العمليات خلال موسم الحج، من خلال توفير أكثر من 3.1 ملايين مقعد للرحلات القادمة والمغادرة، وتشغيل ما يزيد على 12 ألف رحلة جوية منتظمة وعارضة”.

وستتم رحلات الحج، عبر 6 مطارات رئيسية تشمل: مطار الملك عبدالعزيز الدولي بجدة، ومطار الأمير محمد بن عبدالعزيز الدولي بالمدينة المنورة، إضافة إلى مطار الملك خالد الدولي بالرياض ومطار الملك فهد الدولي بالدمام ومطار الطائف الدولي ومطار الأمير عبدالمحسن بن عبدالعزيز الدولي في ينبع.

ويبدأ موسم الحج لعام 2026 أواخر مايو/ أيار المقبل فلكيا.

وفي 2025، أعلنت هيئة الإحصاء السعودية، في بيان، أن عدد الحجاج بلغ مليونا و673 ألفا و230 حاجا من داخل المملكة وخارجها، متراجعا عن موسم العام السابق، الذي سجل مليونا و833 ألفا و164 حاجا بينهم 221 ألفا و854 من داخل المملكة، بحسب ما أعلنه حينها وزير الحج والعمرة.

وتستمر مناسك الحج 6 أيام، تبدأ في 8 ذي الحجة بيوم التروية في منى، والوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة، وبدء رمي الجمرات في منى، ثم نحر الهدي وطواف الإفاضة (بمكة)، بخلاف رمي جمرات مجددا في منى، والختام بطواف الوداع في مكة.

أبرز المعالم التاريخية والدينية التي يحرص الحجاج على زيارتها في المدينة المنورة، والتي تضفي بُعداً معرفياً وروحانياً على رحلتهم:
  1. المسجد النبوي الشريف: وهو المقصد الأساسي، ويضم الروضة الشريفة (ما بين بيت النبي ﷺ ومنبره) والتشرف بالسلام على النبي ﷺ وصاحبيه رضي الله عنهما.
  2. مسجد قباء: أول مسجد أُسس في الإسلام، ويحرص الحجاج على الصلاة فيه لما لها من أجر يعدل “عمرة” كما ورد في السنة النبوية.
  3. جبل أحد ومقبرة الشهداء: حيث وقعت معركة أحد الخالدة، ويضم رفات سبعين صحابياً من بينهم سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه.
  4. مسجد القبلتين: المعلم الذي شهد حادثة تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة أثناء الصلاة.
  5. مساجد الفتح (المساجد السبعة): وهي مجموعة مساجد تقع في الجهة الغربية من جبل سلع، وترتبط بموقع “غزوة الخندق”.
  6. مقبرة البقيع: المقبرة الرئيسية لأهل المدينة منذ عهد النبي ﷺ، وتضم رفات الآلاف من الصحابة وآل البيت الكرام.
  7. مجمّع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف: حيث يطلع الحجاج على أكبر صرح في العالم لخدمة القرآن الكريم وتوزيعه.

تظل المدينة المنورة بمكانتها الوجدانية العميقة محطةً إيمانية لا تُنسى في رحلة الحج، حيث تتوج هذه الاستعدادات المكثفة والجهود المخلصة بخلق بيئة روحانية آمنة تتيح لضيوف الرحمن أداء عباداتهم بكل طمأنينة ويسر. إن النجاح في إدارة هذه الحشود المليونية يبرهن عاماً بعد عام على كفاءة المملكة في تسخير التكنولوجيا والكوادر البشرية لخدمة الإسلام والمسلمين، لتظل “طيبة الطيبة” نموذجاً عالمياً في حسن الوفادة والرفادة، وملاذاً للسكينة يغادره الحاج وهو يحمل في قلبه أجمل الذكريات وأسمى مشاعر الامتنان.