هل تنجح سياسات ترامب في كبح جماح أسعار الوقود؟

هل ستترك الأطراف ترامب يفعل ما يشاء؟

تشهد أسواق الطاقة العالمية حالة من الترقب والقلق مع استمرار ارتفاع أسعار الوقود، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط. وتطرح هذه التطورات سؤالاً جوهرياً: إلى أي مدى ستسمح القوى الاقتصادية الكبرى، خاصة في الغرب، للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالمضي في سياساته التي قد تزيد من اضطراب الأسواق؟

*تأثير ارتفاع الوقود على الاقتصاد العالمي*

أدى إغلاق مضيق هرمز، نتيجة للصراع بين الولايات المتحدة وإيران، إلى ارتفاع أسعار النفط بنسبة تزيد عن 30% مقارنة بمستوياتها قبل اندلاع الأزمة. وبحسب بيانات شركة “كلبر” لتحليل الطاقة، فإن “أكثر من 14 مليون برميل يومياً تدفقت عبر المضيق في عام 2025، أي ثلث إجمالي صادرات النفط الخام العالمية عن طريق البحر”، وذهب ثلاثة أرباع هذه البراميل إلى الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية .

وفي أوروبا، حيث يبلغ سعر البرميل حوالي 80 دولاراً، تتفاقم الضغوط بسبب التشريعات البيئية الصارمة والاعتماد الكبير على استيراد الطاقة. أما في آسيا، فيدفع الطلب المتصاعد من اقتصادات مثل الصين والهند الأسعار نحو الارتفاع، بينما تستفيد الولايات المتحدة نسبياً من إنتاجها المحلي من النفط الصخري.

*ردود الفعل في الغرب وأمريكا*

في الولايات المتحدة، بدأ المواطنون يشعرون بوطأة الارتفاع. فمتوسط سعر غالون البنزين تجاوز 4 دولارات على المستوى الوطني، ووصل إلى مستويات قياسية في ولايات مثل كاليفورنيا، وفقاً لجمعية السيارات الأمريكية .

وتقول آنيل فيليغاس، سائقة شاحنة من كاليفورنيا: “أقود شاحنة، لذا أملأ خزان الوقود، والآن أصبح السعر حوالي 70 أو 80 دولاراً… أنا فقط أتعامل مع ما يترتب على ذلك”.

ورغم تأكيد ترامب أن “الارتفاع في أسعار الطاقة سيكون مؤقتاً”، فإن المحللين يشككون في هذا التفاؤل. ويقول كيفن بوك، العضو المنتدب للأبحاث في شركة “كليرفيو إنرجي بارتنرز”: “في أزمات الإمداد، المدة مهمة. والحجم أيضاً”، محذراً من أن “أزمة هرمز الكاملة قد تتجاوز قدرة المخزونات الاستراتيجية على التعويض” .

*هل ستترك الأطراف ترامب يفعل ما يشاء؟*

تشير التحليلات إلى أن الضغوط الاقتصادية الداخلية قد تحد من حرية ترامب في التصعيد. فمع تراجع مؤشر ثقة المستهلك وتوقعات بارتفاع التضخم، يصبح الوضع السياسي للإدارة الأمريكية أكثر حساسية، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي .

ويقول كريس جاكسون، مخطط مالي معتمد: “بالنسبة لذوي الدخل المرتفع، فإن ارتفاع أسعار الوقود مجرد خبر رئيسي، أما لذوي الدخل المتوسط والمنخفض فهو بند إنفاق يؤثر مباشرة على الاستقرار المالي”  .

هذا الواقع قد يدفع الحلفاء الأوروبيين إلى ممارسة ضغوط دبلوماسية على واشنطن لتبني نهج أكثر اعتدالاً، تجنباً لتداعيات اقتصادية أوسع.

ويخلص تقرير لـ”سي إن بي سي” إلى أن “الإغلاق المطول لمضيق هرمز هو ضمان لحدوث ركود عالمي”، وفقاً لتحليل بوب ماكنالي، مما يجعل استمرار السياسات التصعيدية مكلفاً سياسياً واقتصادياً .

*تصريحات مسؤولين وخبراء*

من جانبه، قال مات سميث، محلل النفط في شركة “كلبر”، إن “أكثر من 20 مليون برميل من النفط الخام تم تحميلها للتصدير اليوم في الخليج من السعودية والعراق والإمارات والكويت وقطر”، لكن بعض الناقلات لوحظ أنها تحيد عن المرور عبر المضيق .

وفي أوروبا، قالت الحكومة الفرنسية إن “الارتفاع في أسعار الطاقة وعوائد السندات الناجم عن الحرب سيكلف الحكومة ما بين 4 و6 مليارات يورو”، مما يتطلب تعليق نفس المبلغ من الإنفاق  .

ومن جانبه، حذر توم كلوزا، المسؤول في شركة “كلوزا أدفايزرز” للنفط والغاز، من أن “الهجوم الإيراني على جيران آخرين في الخليج يغير المعادلة ويضع ضغوطاً على شركات التأمين إما لرفع أسعار ناقلات المضيق بشكل عدواني أو الامتناع عن ضمان أي حركة مرور”.

وتبقى توقعات أسعار الطاقة في عهد ترامب الثاني محصورة بين سيناريوهين؛ أحدهما متفائل يرى في زيادة الإنتاج الأمريكي صمام أمان لاستقرار الأسعار تحت سقف 80 دولاراً، وآخر يحذر من قفزات مفاجئة قد تتجاوز 100 دولار نتيجة الاضطرابات اللوجستية والحروب التجارية. إن الأسواق العالمية اليوم، التي أثبتت مرونة مفاجئة رغم صراعات الشرق الأوسط، لا تزال تراقب بحذر تغريدات البيت الأبيض التي باتت المحرك الفعلي للمضاربات. وفي نهاية المطاف، لن يكون التحدي في كمية النفط المستخرج، بل في مدى استقرار طرق التجارة وتجنب “حرب استنزاف” اقتصادية قد تجعل من رخص الوقود في الداخل الأمريكي ثمناً باهظاً تدفعه الأسواق العالمية في الخارج.

مستفاد من الذكاء الاصطناعي