مبادرة الحوار السوداني بين التعقيدات وفرص التسوية

في ظل أوضاع إنسانية وأمنية معقدة

يمثل إعلان رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس عن نية حكومته إطلاق حوار وطني شامل خطوة لافتة في مسار الأزمة التي تعصف بالبلاد منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023. ويأتي هذا التوجه في ظل أوضاع إنسانية وأمنية معقدة، وتراجع حاد في مؤسسات الدولة، ما يطرح تساؤلات جدية حول فرص نجاح أي عملية سياسية في هذا التوقيت.

سياق سياسي مضطرب

منذ اندلاع القتال بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، دخل السودان في حالة من الانقسام الحاد، حيث تراجعت سلطة الدولة المركزية، وتفككت مؤسسات الحكم في عدة مناطق. وأدى ذلك إلى نزوح ملايين السودانيين داخليًا وخارجيًا، وسط تحذيرات متكررة من الأمم المتحدة من كارثة إنسانية متفاقمة.

في هذا السياق، يبدو طرح الحوار الوطني محاولة لإعادة إطلاق المسار السياسي، لكن التحدي الأكبر يكمن في مدى قدرة الحكومة على إشراك جميع الأطراف الفاعلة، خصوصًا في ظل استمرار العمليات العسكرية وغياب الثقة بين الفرقاء.

رؤية الحكومة ومحددات النجاح

يرى رئيس الوزراء أن الحوار المرتقب سيكون “شاملًا” ولن يقصي أحدًا، مع إجراءات لتهيئة المناخ السياسي، مثل تسهيل عودة المعارضين من الخارج وتجديد وثائقهم الرسمية. ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها إشارة انفتاح سياسي، لكنها تبقى مرهونة بمدى تنفيذها على الأرض.

يقول المحلل السياسي السوداني الدكتور حسن بشير إن “أي حوار لا يشمل القوى المسلحة الرئيسية أو لا يسبقه وقف إطلاق نار حقيقي سيظل حوارًا نظريًا لا تأثير له على الواقع”. ويضيف أن البيئة الحالية “غير مواتية لحوار شامل، في ظل استمرار القتال وتدهور الأوضاع الأمنية”.

من جهته، يشير الخبير في شؤون القرن الأفريقي البروفيسور أليكس دي وال إلى أن “السودان يحتاج أولًا إلى إطار دولي ضامن يفرض التزامات واضحة على الأطراف، قبل الحديث عن عملية سياسية داخلية واسعة”.

معضلة قوات الدعم السريع

من أبرز التحديات التي تواجه الحوار موقف الحكومة من قوات الدعم السريع، حيث أشار إدريس إلى صعوبة إدماجها في أي تسوية سياسية أو عسكرية، متهمًا إياها بارتكاب انتهاكات واسعة. هذا الموقف يعكس اتجاهًا داخل بعض دوائر السلطة لاستبعاد الدعم السريع من المشهد، وهو ما قد يعقّد فرص التسوية.

ترى الباحثة السودانية الدكتورة أميرة عثمان أن “استبعاد أي طرف مسلح رئيسي من العملية السياسية يعني عمليًا استمرار الحرب، لأن ميزان القوة على الأرض لا يسمح بحسم سريع”. وتؤكد أن “الحل الواقعي يتطلب صيغة لدمج أو تفكيك الدعم السريع ضمن ترتيبات أمنية متفق عليها”.

البعد الدولي وتأثيره

لا يمكن فصل الحراك السياسي في السودان عن السياق الدولي، خاصة بعد انعقاد مؤتمر مؤتمر برلين بشأن السودان 2026، الذي أثار جدلًا واسعًا بسبب غياب التمثيل الرسمي السوداني. وقد اعتبر رئيس الوزراء أن مخرجات المؤتمر لا تعبر عن إرادة الحكومة أو الشعب.

ويشير الباحث في العلاقات الدولية الدكتور خليل إبراهيم إلى أن “تعدد المبادرات الدولية وتباين أجنداتها يضعف فرص الوصول إلى تسوية موحدة، خاصة في ظل تنافس القوى الإقليمية والدولية على النفوذ في السودان”.

التحديات الاقتصادية والفساد

إلى جانب الأزمة السياسية، تواجه الحكومة تحديات اقتصادية حادة، أبرزها تراجع الإيرادات وعمليات تهريب الموارد، خاصة الذهب. وقد كشف إدريس عن خسائر تُقدّر بنحو 8 مليارات دولار سنويًا بسبب التهريب، مع توجه لإنشاء هيئة لمكافحة الفساد.

ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور محمد الناير أن “أي إصلاح اقتصادي لن يكون ممكنًا دون استقرار سياسي وأمني، لأن بيئة الحرب تغذي الفساد وتضعف مؤسسات الرقابة”.

السيناريوهات المحتملة

في ضوء المعطيات الحالية، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الحوار الوطني:

الأول، نجاح نسبي للحوار في حال تم التوصل إلى وقف إطلاق نار شامل، مع دعم إقليمي ودولي، ما قد يمهد لمرحلة انتقالية تقود إلى انتخابات.

الثاني، تعثر الحوار بسبب استمرار القتال وغياب الثقة، ما يؤدي إلى بقاء الوضع على ما هو عليه، مع تفاقم الأزمة الإنسانية.

أما السيناريو الثالث، فهو إطلاق حوار شكلي لا يشمل جميع الأطراف، ما قد يؤدي إلى انقسام سياسي أعمق وظهور سلطات موازية في بعض المناطق.

يبقى إعلان الحكومة السودانية عن حوار وطني شامل خطوة مهمة من حيث المبدأ، لكنه يواجه تحديات بنيوية عميقة تتعلق بطبيعة الصراع المسلح، وتوازن القوى، والتدخلات الخارجية. وبينما يعوّل البعض على هذه المبادرة كمدخل لإنهاء الحرب، يرى آخرون أنها قد تتحول إلى مجرد مسار سياسي موازٍ لا يلامس جذور الأزمة.

في النهاية، يظل نجاح أي حوار في السودان مرهونًا بمدى قدرته على تحقيق شرطين أساسيين: وقف الحرب، وبناء ثقة حقيقية بين الأطراف، وهي مهمة تبدو صعبة لكنها ليست مستحيلة.